تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ائذن لي ولا تفتني...

[التوبة: 49]. وفي الصدقة يحاولون التشكيك في توزيع الصدقة وكيف يتم فيقول الحق سبحانه وتعالى عنهم: ﴿ ومنهم من يلمزك في... ﴾.

9.58

وإذا جلسوا مع بعضهم البعض تجدهم يحاولون النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرض إيذائه ولمزه، ويقول الله سبحانه وتعالى عنهم:

ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم

[التوبة: 61]. هذه بعض صفات المنافقين التي يفضحهم الله بها بكشفها للمؤمنين. وقد جاء الحق سبحانه لنا بمزيد من الكشف لقبائحهم وفضائحهم. فقال فيهم: ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ﴾ [التوبة: 58]. كلنا أيضا نقرأ قول الله سبحانه:

ويل لكل همزة لمزة

[الهمزة: 1]. فما هي الهمزة وما هي اللمزة؟ " الهمزة ": هو من يعيب في الآخرين عيبا خفيا ويسخر منهم خفية، ويكون ذلك بإشارة من عينه أو بأي حركة من جوارحه، ومثال هذا: حين تكون هناك مجموعة من الناس جالسين، ويحاول أحدهم النيل من أحد الحضور خفية، فيغمز بطرف عينه لإنسان آخر، أو يكون باللسان همسا في أذن إنسان أو بأي طريقة أخرى، المهم أن يشار إلى العيب بطريقة خفية لا يلحظها معظم الحاضرين. أما اللمزة العيابون في غيرهم في حضورهم. فهناك القوي الذي يكشف العيوب بشجاعة وصراحة وهو اللماز، أما الضعيف فهو يعيب خفية وهو الهماز. واللمزة تطلق على من يعيب كثيرا في الناس. وهمزة لمزة، من صيغة المبالغة " فعلة " وتدل على كثرة فعل الشيء. فتقول " فلان أكلة " - بضمة على الألف - أي: يأكل كثيرا. وفلان ضحكة - بضمة على الضاد - أي: كثير الضحك. إذن: فاللمزة هي كثرة العيب في الغير، وهي تدل على ضعف من يقول بها، ولو لم يكن ضعيفا لقال ما يريد بصراحة. والحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات ﴾ واللمز كما عرفنا هو البحث عن العيب، وهو هنا مظروف في شيء هو الصدقات. وكان بعض من المنافقين يغتابون تشريع الصدقة، وكانوا يعيبون أن يتعب الغني ويشقى في الحصول على المال ثم يأخذ الفقير المال بلا تعب، فهل يعيبون التشريع نفسه؟ أم يعيبون كمية الصدقات المفروضة عليهم ويرونها كثيرة؟ أم يعيبون حث الله للناس على الصدقة؟ أم يعيبون الطريقة التي يتم بها صرف الصدقة للفقراء، وأن بعضهم يعطى كثيرا وبعضهم يعطى قليلا؟ لقد كانوا يعيبون في كل هذه الأمور أو بعضها. إذن: فاللمز إما أن يكون في التشريع، وإما أن يكون في كمية الصدقات أو في طريقة الصرف، والحادثة التي وقعت ونزلت فيها هذه الآية الكريمة كانت في مصارف الصدقة، فقد قام حرقوص بن زهير، وهو رأس الخوارج، وهو ابن ذي الخويصرة، وقال: اعدل يا محمد.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك! ومن يعدل إن لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أعدل. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله إئذن لي فيه أضرب عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" دعه، فإنه له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم. يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء. سبق الفرث والدم. آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة. أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس "

قال أبو سعيد الخدري: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه. فأمر بذلك الرجل - أي الرجل الأسود - فالتمس فوجد فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعت. ويقول الحق سبحانه موضحا حال هؤلاء ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ﴾ أي: أن هؤلاء الناس إن أعطوا من الصدقة كانوا راضين مهللين، وإن لم يعطوا منها ملأ قلوبهم السخط، وبدأوا باللمز. إذن: فالكمية المعطاة لهم من الصدقة كانت هي أساس اللمز. ومثل هذا قد حدث في غزوة حنين. فقد وزع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم على قريش وأهل مكة، ولم يعط الأنصار شيئا. فلما لم يدخل صلى الله عليه وسلم الأنصار في هذه القسمة، استاء بعضهم من ذلك، فجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢١٨