9.100
و " السابق " هو الذي حصل منه الفعل - بصدد ما هو فيه - قبل غيره، وكلنا والحمد لله مؤمنون، ومن آمنوا أولا، ومن آمنوا بعد ذلك كلهم مؤمنون، لكن هناك أناس سبقوا إلى الإيمان، فهل كان سبقهم سبق زمان أم سبق اتباع؟ إن سبق الزمان يتحدد في الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ظن ظان أن المقصود بالسابقين هم الذين سبقونا سبق زمان، فقد يقول منا قائل: وما ذنبنا نحن وقد جئنا بعد زمانهم؟ ولذلك نقول: إنما السبق يعتبر من معاصر، أي: كان معهم أناس غيرهم وهم سبقوهم ولذلك جاء القول: ﴿ من المهاجرين ﴾ ونعلم أن الذين هاجروا مع الرسول لم يكن كل مسلمي مكة، وجاء قوله: ﴿ من المهاجرين والأنصار ﴾ وأيضا لم يكن كل الأنصار من أهل المدينة هم من السابقين. وينحصر المعنى في الذين سبقوا إلى الإيمان في مكة، وسبقوا إلى النصرة في المدينة، هؤلاء هم ﴿ السابقون ﴾. وفي سورة الواقعة يقول الحق:
والسابقون السابقون * أولئك المقربون * في جنات النعيم
[الواقعة: 10-12]. ثم يأتي من بعدهم في المرتبة:
وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين
[الواقعة: 27]. ثم يحدد الحق هؤلاء فيقول:
ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين
[الواقعة: 13-14]. ولذلك حينما يأتي من يقول: لن يستطيع واحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم تأخر عن عصر محمد صلى الله عليه وسلم أن يصل إلى منزلة الصحابة لأن الله قال: ﴿ والسابقون ﴾ ، نقول له: لا، بل افطن إلى بقية قوله سبحانه: ﴿ ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين ﴾ ، وهذا دليل على أن بعضا من الذين جاءوا بعد زمان رسول الله صلى الله عليه سينالون المرتبة الرفيعة، وهكذا لم يمنع الحق أن يكون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم سينالون المرتبة الرفيعة، وهكذا لم يمنع الحق أن يكون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة من يصل إلى منزلة الصحابة. وقد طمأن النبي صلى الله عليه وسلم الناس الذين لم يدركوا عهده حين قال:
" " وددت أني لقيت إخواني ". فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أو ليس نحن إخوانك؟. قال: " أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني "
وهذا قول صادق من المصطفى صلى الله عليه وسلم لأن منا من تنحصر أمنيته في أن يحج ويزور القبر الشريف. ويضيف النبي صلى الله عليه وسلم في وصف أحبابه:
" " عمل الواحد منهم كخمسين ". قالوا: منهم يا رسول الله أم منا؟ قال: " بل منكم لأنكم تجدون على الخير أعوانا، وهم لا يجدون على الخير أعوانا "
وهذا ما يحدث في زماننا بالفعل. ولكن من هم السابقون المقصودون في الآية التي نحن بصددها؟ ﴿ والسابقون الأولون من المهاجرين ﴾ ونعلم أن السابقين من المهاجرين هم أهل بدر، الذين دخلوا أول معركة في الإسلام، مع أنهم خرجوا من المدينة، لا ليشهدوا حربا، ولكن ليتعرضوا عيرا تحمل بضائع، ويرجعوا بالغنائم. ومع ذلك دخلوا الحرب، لا مع القوافل التي ضمت العير والحراس والرعاة، ولكن دخلوا الحرب مع النفير، وهم من جاءوا ونفروا من مكة، وهم صناديد قريش. وهكذا كانت منزلة أهل بدر، أنهم من سبقوا إلى الجهاد في أول معركة للإسلام. ولذلك حين وشى حاطب بن أبي بلتعة بغزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فجاء به صلى الله عليه وسلم وقال له: ما الذي حملك على هذا؟ وكان صلى الله عليه وسلم يريد أن يفتح مكة دون أن يعلم أحد حتى لا يقاتل المسلمون القادمون بعضا من المؤمنين الموجودين في مكة ولم يعرفهم أحد لذلك أراد صلى الله عليه وسلم المفاجأة في الفتح حتى تهبط الشراسة الكفرية، لكن حاطب بن أبي بلتعة كتب خطابا إلى بعض أهل قريش، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه ومن معه: اذهب إلى مكان اسمه " روضة خاخ " في الطريق بين مكة والمدينة، فستجد ظعينة مسافرة معها كتاب إلى أهل مكة، خبأته في عقيصتها. فلما ذهب علي - رضي الله عنه - ومن معه يبحثون عن المرأة في الموضع الذي ذكره لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدوا المرأة ولكنها أنكرت أن معها كتابا، فهددوها فأخرجته من عقيصتها فوجده من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من مشركي قريش. وعاد به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأحضر النبي صلى الله عليه وسلم حاطبا، وقال له: ما حملك على هذا يا حاطب؟ قال له: يا رسول الله: أنا لصيق بقريش ولي فيها أهل ومال، وليس لي بها عزوة فأردت أن أتخذ يدا عند قريش يعرفونها لي فيحافظوا على أهلي وعلى مالي، وعرفت أن ذلك لا يضرك شيئا وأن الله ناصرك. وما فعلته ينفعني ولا يضرك، قال: صدقت. وأراد عمر - رضي الله عنه - أن ينزل عليه بسيفه، فقال النبي صلى الله عيله وسلم: