تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.53

إذن: فشرط تقبل الله لأي عمل إنما يأتي بعد الإيمان بالله، أما أن تعمل وليس في بالك الله، فخذ أجرك ممن كان في بالك وأنت تعمل. لذلك ضرب الله مثلا بأعمال الذين كفروا في قوله تعالى:

والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب

[النور: 39]. ويعطينا الله سبحانه مثلا آخر في قوله تعالى:

مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد

[إبراهيم: 18]. ويقول الحق سبحانه وتعالى:

من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب

[الشورى: 20]. وهذا ما يشرح لنا ما استغلق على بعض العلماء فهمه في قول الحق:

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره

[الزلزلة: 7-8]. فقد تساءل بعض من العلماء: أيجزي الحق سبحانه هؤلاء الكفار في الآخرة أم في الدنيا؟ وقد استغلق عليهم الأمر لأن الآية عامة. ونقول: إن الحق يعطي في الدنيا الجزاء لمن عمل للدنيا، ويعطي في الآخرة لمن عمل للدنيا والآخرة وفي قلبه الله. ولذلك فالذين يحسنون اتخاذ الأسباب المخلوقة لله بمنح الربوبية ينجحون في حياتهم. والذين يتقدمون دنيويا في زراعة الأرض وانتقاء البذور والعناية بها يعطيهم الله جزاء عملهم في الدنيا، ولا يبخس منه شيئا ولكن الحق سبحانه يقول أيضا:

وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا

[الفرقان: 23]. هذا القول يوضح عطاء الآخرة، ولذلك فالخير الذي يعمله غير المؤمن لا يجزى عليه في الآخرة لأنه عمل وليس في باله الله، فكيف ينتظر جزاءه ممن لم يؤمن به؟ إن الله سبحانه يجزي من آمن به وعمل من أجله. ولكن من كفر بالله حبط كل عمله. وهذا أمر طبيعي لأنك ما دمت قد عملت الخير وليس في بالك الله، فلا تنتظر جزاء منه. إن عملت للإنسانية أعطتك الإنسانية، وإن عملت للمجتمع أعطاك المجتمع وصنعوا لك التماثيل وأطلقوا اسمك على الميادين والشوارع، وأقيمت باسمك المؤسسات، وتحقق لك الخلود في الدنيا، وهذا هو جزاؤك. ولكن إن كنت مؤمنا بالله، راجيا ثوابه تجيء يوم القيامة لتجد يد الله ممدودة لك بالخير الذي قدمته. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا: ﴿ قل أنفقوا طوعا أو كرها ﴾ والطوع: هو الفعل الذي تقبل عليه بإرادتك دون أن تكون مكرها، فكيف لا تجازى على خير فعلته بإرادتك؟ ولا بد لنا أن نفرق بين " طوع " و " طائع " ، وكذلك نفرق بين هذا وبين الفعل الذي تقوم به حين يحملك غيرك ويكرهك أن تفعله.

والأفعال كلها إما أن تكون بالطواعية وبالإرادة، وإما أن تكون بالإكراه. ولو كان الحق قد قال: أنفقوا، طاعة لما قال: ﴿ لن يتقبل منكم ﴾ لأن الطاعة معناها انصياع عابد لإرادة معبود، ولكن قوله هنا: ﴿ طوعا ﴾ يكشف أن ما ينفقونه هو أمر اختياري من عندهم. وكانت أحوال المنافقين كذلك، فمنهم من قدم أولاده للجهاد، ومنهم من قدم بعضا من ماله، وكانوا يفعلون ذلك طائعين لأنفسهم ويستترون بمثل هذه الأفعال حتى لا يفتضح نفاقهم، وكان الواحد منهم يتقدم إلى الصف الأول من صفوف الصلاة في المسجد، ويفعل ذلك طوع إرادته، خوفا من افتضاح نفاقه لا طاعة لله، فطاعة الله هي طاعة عابد لمعبود، أما مثل تلك الأفعال حين تنبع من طوع النفس فهي للمظهر وليست للعبادة. ﴿ قل أنفقوا طوعا أو كرها ﴾ هل هذا أمر بالإنفاق؟ أو هل الله يريد منهم أن ينفقوا فعلا، خاصة أنه سبحانه لن يتقبل منهم؟ لا ليس هذا أمرا بالإنفاق بل هو تهديد ووعيد. مثلما تقول لإنسان: اصبر، فذلك ليس أمرا بالصبر ولكن تهديد بمعنى: اصبر فسترى مني هولا كثيرا. وهذا مثل قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٠٨