" يوشك الرجل يتكىء على أريكته يحدث بحديثي، فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما كان فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله ".
وقد قالوا ذلك القول طعنا في الكتاب، ولكنهم من حيث لا يدرون أكدوا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم لم يمتلكوا الذكاء لأن الذكاء الذي لا يهدي للإيمان هو لون من الغباء وعمى البصيرة، وكذلك كان حال من حلفوا بعدم استطاعتهم الخروج للقتال فقد سبقهم قول الله: ﴿ وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ﴾ وجاءوا من بعد ذلك وحلفوا ليؤكدوا صدق القرآن. وهم في حلفهم يدعون عدم استطاعتهم للقتال، مع أن لديهم المال والقدرة. ويقول الحق عنهم: ﴿ يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون ﴾ وما داموا قد حلفوا بالله كذبا، فقد أدخلوا أنفسهم في الهلاك، فهم لم يكتفوا بعدم الجهاد بل كذبوا وفضح الله كذبهم. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك... ﴾.
9.43
وكلمة ﴿ عفا ﴾ تدل على أن هناك أثرا قد محي تماما كما يمشي إنسان في الرمال فتحدث أقدامه أثرا، ثم تأتي الريح فتملأ مناطق هذا الأثر بالرمال وتزيله. وهي تطلق في الدين على محو الله سبحانه وتعالى لذنوب عباده فلا يعاقبهم عليها. وما دام الإنسان قد استغفر من ذنبه وقال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، فلا يجب أن يحرجه أحد بعد ذلك، ولا أن يعايره أحد، فقد استغفر عند من يملك الملك كله، وهو وحده سبحانه الذي يملك العفو والمغفرة، فلا يدخلن أحدكم نفسه في هذه المسألة، ولا يجب أن يحرج إنسان مذنبا ما دام قد استغفر من يملك العفو، ومن يسمع مستغفرا عليه أن يقول: عفا الله عنك. ولا أحد يعرف إن كان الله قد عفا عنه أم لا، فلتعنه بالدعاء له، ومن يعاير مذنبا نقول له: تأدب لأنه لم يرتكب الذنب عندك، ولكنه ارتكبه عند ربه، وإذا كان من يستغفر من ذنبه لا يحرج به بين الناس، فما بالنا بعفو الله سبحانه القادر وحده على العفو. وهنا يقدم الحق سبحانه العفو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أذن لهم بالقعود عن القتال، ثم يأتي القرآن من بعد ذلك ليؤكد أن ما فعله رسول الله بالإذن لهم بالقعود كان صوابا، فيقول في موضع آخر من نفس السورة:
لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا
[التوبة: 47]. إذن: فلو أنهم خرجوا لكانوا سببا في الهزيمة، لا من أسباب النصر. وصوب الحق عمل الرسول، وهو صلى الله عليه وسلم له العصمة. وهنا نحن أمام عفو من الله، على الرغم من عدم وجود ذنب يعفى عنه، وهنا أيضا إذن من الرسول لهم بالقعود، ونزل القرآن ليؤكد صوابه. وهناك من فهم قول الحق: ﴿ لم أذنت لهم ﴾ على أنها استفهام استنكاري، وكأن الحق يقول: كيف أذنت لهم بالعفو؟ إذن: فرسول الله بين أمرين: بين عفو لا يذكر بعده ذنب، واستفهام يفيد عند البعض الإنكار. ونقول: إن الحق سبحانه وتعالى أيد رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله:
لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا
[التوبة: 47]. فكأن الرسول قد هدي إلى الأمر بفطرته الإيمانية، وقد أشار القرآن إلى ذلك ليوضح لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم وفطرته سليمة، وكان عليه أن يقدم البيان العقلي للناس لأنه الأسوة حتى لا يأتي من بعده واحد من عامة الناس ليفتي في مسألة دينية ويقول: أنا رأيت بفطرتي كذا، بل لا بد أن يتبين الإنسان ما جاء في القرآن والسنة قبل أن يفتي في أمر من أمور الدين.
وعلى سبيل المثال: اختلف الأمر بين المسلمين في مسألة الفداء لأسرى بدر ونزل القول الحق:
لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيمآ أخذتم عذاب عظيم
[الأنفال: 68]. وأيد الله حكم رسوله وأبقاه. إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم هدي إلى الأمر بفطرته الإيمانية، ولكن هذا الحق لا يباح لغير معصوم. وقد أباح الحق سبحانه الاستئذان في قوله: