تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

برآءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين

[التوبة: 1]. ووردت لنا أحوال الكفار والمنافقين وتكاليف الجهاد الشاقة، وأراد الحق أن يختم السورة بما يبرر هذه المشقات المتقدمة، فبين لنا: إياكم أن تنفضوا عن الرسول أو تغضبوه لأنه وإن جاء لكم ببلاغ فيه أمور شاقة عليكم فخذوا هذه الأمور الشاقة على أنها من حبيب لكم، لا من عدو لكم. إنك مثلا إن رأيت عدوا ضرب ابنك وجرحه، يكون وقع هذا الأمر شديدا عليك لأنه عدو. لكنك إذا أخذت ابنك للطبيب وقرر الطبيب إجراء جراحة للابن، فأنت تقبل ذلك لتزيل عن ابنك خطرا. إذن: فهناك فارق بين جرح عدوك لابنك وجرح الطبيب له رغم أن الإيلام قد يكون واحدا. إذن: لا ترفض الأمور الشاقة عليك لمجرد ورود المشاق عليك، ولكن اعرف أولا من الذي أجرى المشاق عليك، فإن كان ربك، فربك بك رحيم. وإن كان الرسول فخذ أوامر الرسول وطبقها لأنها من حبيب يريد لك الخير. وهنا يقول الحق: ﴿ لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز... ﴾.

9.128

ونلحظ هنا أن الحق قد نسب المجيء هنا للرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: جئتكم برسول. وكلنا يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت من عند نفسه، ولم يدع هذا الأمر الجليل لنفسه، ولكن الشحنة الإيمانية تفيد أنه خلق بما يؤهله للرسالة، وبمجرد أن نزل عليه الوحي امتلك اندفاعا ذاتيا لأداء الرسالة، ولم يحتج لمن يدفعه لأداء الرسالة لذلك أراد الحق سبحانه أن يثبت للرسول صلى الله عليه وسلم المجيء ذاتيا، ولكن هذا المجيء الذاتي ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم في البداية، بل هو رسول من عند الله، فأتى الحق سبحانه هنا بكلمة " جاء ". وكلمة ﴿ رسول ﴾ تدل على أنه ليس من عنده، وكلمة " جاء " تدل على أن الشحنة الإيمانية جعلت لذاته عملا، فهو صلى الله عليه وسلم يعشق الجهاد من أجل الرسالة، ويعشق الكفاح من أجل تحقيق هذه الرسالة. إذن: لا تنظروا إلى ما جاءكم به الرسول صلى الله عليه وسلم نظرتكم إلى الأمور الشاقة التي تتعبكم، ولكن انظروا ممن جاءت، إن كانت من الأصل الأصيل في إرسال الرسل، فالرب رحيم، خلقكم من عدم وأمدكم من عدم، ويوالي نعمة عليكم حتى وأنتم في معصيته. فأنت تعصاه ويحب الله سبحانه من يستر عليك، فلا تشكك ولا تتشكك. وعليك أن تأخذ التكاليف على أنها من حبيب فلا تقل: إنها مشقة. فأنت - ولله المثل الأعلى - تطلب من ابنك أن يستذكر دروسه، وتراجعها معه قهرا عنه في بعض الأحيان، وأنت قد تمسك بيدي ابنك ليعطيه الطبيب حقنة من الدواء الذي جعله الله سببا للشفاء. إذن: فلا تأخذ الأحوال بوارداتها عليك، ولكن خذها بوارداتها ممن قدرها وقضاها وهو الحق سبحانه وتعالى. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ لقد جآءكم رسول من أنفسكم ﴾ أي: أن الحق سبحانه لم يأت بإنسان غريب عنكم، بل جاء بواحد منكم قادر على التفاهم معكم. ولقوله الحق: ﴿ من أنفسكم ﴾ معان متعددة، فمرة يكون معناها ب " من جنسكم " ، مثلما قال الحق عن حواء:

وخلق منها زوجها...

[النساء: 1]. أي: خلق حواء من نفس جنس آدم البشري، فلا يقولن أحد: كيف بعث الله لنا بشرا رسولا؟ لأن الحق أراد الرسول من البشر رحمة بالناس ولذلك يؤكد صلى الله عليه وسلم على بشريته أكثر من مرة وفي مواقع كثيرة. والقرآن يقول:

وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا

[الإسراء: 94]. إذن: فبشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تؤخذ على الله، ولكن تؤخذ لله لأنه أرسل واحدا من نفس الجنس ليكون قادرا على أن يتفاهم مع البشر، وتكون الأسوة به سهلة.

ولذلك قال سبحانه:

قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا

[الإسراء: 95]. وقوله الحق: ﴿ من أنفسكم ﴾ أي: من جنس العرب، ولم يأت به من الروم أو من فارس، لكن اختار لكم من هو أعلم بطبائعكم. أو أن معنى ﴿ من أنفسكم ﴾ أي: من نفس القبيلة التي تنتمون إليها معشر قريش. أو أن ﴿ من أنفسكم ﴾ تعني: أنكم تعلمون تاريخه، وتعرفون أنه أهل لتحمل أمانة السماء للأرض، كما تحمل أماناتكم من الأرض للأرض ولأن هذا هو سلوكه، فهو قادر على أن يتحمل أمانة السماء للأرض. ولقد سميتموه الصادق الأمين، والوفي، وكلها مقدمات كانت توحي بضرورة الإيمان به كرسول من عند الله. وإن كانت سلسلة أعماله معكم تثير فخركم، فمجيئة كرسول إنما يرفع من ذكركم، ويعلي من شأنكم. فأنتم أهل قريش ومكة ولكم السيادة في البيت الحرام، وقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم ليزيد من رقعة السيادة لكم، فإذا كنتم قبل بعثته صلى الله عليه وسلم سادة البيت، فأنتم بعد بعثته سوف تصيرون سادة العالم. ويقول الحق سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٥١