تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.71

جاءت هذه الآية بعد آية سابقة وصف فيها المنافقون في قوله تعالى:

المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض...

[التوبة: 67]. فناسب أن يقابلهم بالمؤمنين والمؤمنات، وتلك مناسبة الضد بالضد لأن قياس الضد إلى ضده يظهر الأمرين معا. والمثال قول الشاعر حين يمدح محبوبته فيقول:

فالوجه مثل الصبح مبيض

والشعر مثل الليل مسود

ضدان لما استجمعا حسنا

والضد يظهر حسنه الضد

وبعد أن ذكر الحق فضائح المنافقين ومعايبهم، وحنثهم فيما يحلفون، وخلفهم فيما يعاهدون، أراد أن يجعل تقابلا بينهم وبين المؤمنين والمؤمنات. لكن التقابل هنا اختلف في شيء لأنه سبحانه قال في المنافقين: ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ﴾ ، وحين تكلم عن المؤمنين قال: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض ﴾ فالمنافقون والمنافقات وصفهم الحق ﴿ بعضهم من بعض ﴾ أي أنهم كلهم متشابهون وسلوكهم مبني على التقليد والاتباع، فهم يقلدون بعضهم بعضا. وبما أنهم قد أقاموا عقيدتهم على الشر، فكلهم شر، ولا يوجد بينهم من ينصحهم بالخير أو يحاول ردهم عن النفاق، بل هم يمضون في تيار الشر إلى آخر مدى. أما المؤمن فعقيدته مبنية على الاقتناع وعلى الخير. فإن وجد في مؤمن شر فوليه من المؤمنين يبعده عن الشر ويعيده إلى طريق الخير ذلك لأن النفس البشرية لها أغيار متعددة، ولا يسلك كل مؤمن السلوك الملتزم تمام الالتزام بمنهج الله في كل شيء. بل هناك خصلة ضعف في كل نفس بشرية. فإن وجد في المؤمن ضعف فأولياؤه من المؤمنين يبينون له نقطة ضعفه ويبصرونه وينصحون له، ويرد في نقطة ضعفه، والمؤمن أيضا ينبه غيره ويبصره، وهكذا نجد أنه في المجتمع المؤمن، كل واحد يرد الآخر في نقطة ضعفه، وكل منهم ينصح الآخر ويعظه، ليكتمل إيمان الجميع، ومن يقصر في شيء يجد القريب منه وهو يسد الثغرة الطارئة في سلوكه. أما المنافقون فيصفهم الحق ﴿ بعضهم من بعض ﴾ أي: أنهم جميعا من بعض، فلا يتناهون عن منكر فعلوه، ولا يوجد بينهم ناصح. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض ﴾ لم يبين لنا من المولى ومن الموالى، فكل مؤمن وهو ولى وهو موال لأن الولاية مأخوذة من " يليه " ، أي صار قريبا، وضدها عاداه أي بعد عنه وتركه. إذن: فالموالاة ضدها العداوة. وفائدة القرب أن يكون الولي نصير أخيه المؤمن في الأمر الذي هو ضعيف فيه. فإذا كنت ضعيفا في أمر ما، فأخي المؤمن ينصرني فيه. وما دام أخي المؤمن ينصرني في أمر ما، فإن صار هو ضعيفا في شيء أنصره أنا فيه، فنتفاعل ونتكامل ويصبح كل منا وليا وموالى. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:

والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر

[العصر: 1-3]. ولو قيل: " وصوا " لكان هناك أناس يوصون وأناس يتواصون، لكن الحق قال: ﴿ وتواصوا ﴾ ومعناها أن كل مؤمن عليه أن يوصي أخاه المؤمن. فإن كان عندي نقطة ضعف فأنت توصيني وتقول: اعدل عن هذا ولا تفعله فأنت مؤمن. وإن كانت فيك نقطة ضعف أقول لك: لا تفعل هذا فأنت مؤمن. إذن: فكل واحد منا موص وموصى. كذلك الولاية فأنت وليي، أي قريب مني تنصرني في ضعفي، وأنا وليك، أي قريب منك، أنصرك في ضعفك لأننا أبناء أغيار؟ وكل واحد منا فيه نقطة ضعف تختلف عن نقطة ضعف الآخر. والولاية تكون أيضا في الحق، فقد أميل إلى الباطل في نقطة فيقول لي أخي المؤمن: اعدل. وقد يميل هو إلى الباطل فأقول له: اعدل. وهكذا يتكامل الإيمان، ولذلك تجد كلمة الولاية بمعنى القرب والنصرة في قول الحق في ذاته:

هنالك الولاية لله الحق...

[الكهف: 44]. أي: أن النصر الحقيقي والقرب الحقيقي لله لأننا نعيش في عالم أغيار، فقد تطلب النصر عندي فتكون قوتي قد ذهبت، أو يكون مالي قد فنى، أو يكون نفوذي قد انتهى، ولكن الحق سبحانه وتعالى هو وحده القوي دائما، والغني دائما، الذي يغير ولا يتغير، وعندما ينصرك الله فهذا هو النصر الحقيقي الدائم لا نصر الأغيار. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٤٥