أما من يرفض هداية الدلالة من الله، فالله لا يعطيه هداية المعونة لأن الكفر قد سبق من العبد. وكذلك الظلم والفسق، فيكون قد منع عن نفسه هداية المعونة بارتكابه لتلك الآثام. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ [التوبة: 37].
والله لا يهدي القوم الظالمين
[التوبة: 19].
والله لا يهدي القوم الفاسقين
[التوبة: 24]. إذن: هم الذين قدموا الكفر والظلم والفسوق، فمنعوا عن أنفسهم هداية المعونة التي قال الحق عنها:
والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم
[محمد: 17]. وبعد أن طلب الحق سبحانه وتعالى من المؤمنين أن يواجهوا الباطل جميعا، كما يجتمع الباطل عليهم ويقاتلهم جميعا. يقول سبحانه: ﴿ يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم... ﴾.
9.38
وساعة تسمع ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ فهذا نداء خاص بمن آمن بالله لأن الله لا يكلف من لم يؤمن به شيئا، ولكنه كلف الذين آمنوا، فلا يوجد حكم من أحكام منهج الله فيه تكليف لكافر أو غير مؤمن. ولكن أحكام المنهج موجهة كلها للمؤمنين. ولذلك ساعة تسمع: ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ تعرف أن الله يخاطب أو يأمر من آمن به لأنك أنت الذي آمنت باختيارك، ودخلت على الإيمان برغبتك، فالحق سبحانه لم يأخذك إلى الإيمان قهرا، ولكنك جئت للإيمان اختيارا، ولذلك يقول سبحانه وتعالى لك: ما دمت قد آمنت بي إلها قادرا قيوما، له مطلق صفات الكمال، فاسمع مني ما أريده لحركة حياتك. ولا يحسب أحد أنه قادر على أن يدخل في الإيمان ولا ينفذ المنهج، ولا يحسب أحد أنه قادر أن يضر الله شيئا، وسبق أن ضربنا المثل بالمريض الذي يختار أبرع الأطباء، ولم يجبره أحد على أن يذهب إليه، وأجرى الطبيب الكشف على المريض، وحدد الداء وكتب الدواء، ولكن المريض بعد أن خرج من العيادة أمسك بتذكرة الدواء ومزقها، أو أنه اشترى الدواء ولم يتناوله. أيكون بذلك قد عاقب الطبيب أم عاقب نفسه؟ إن الطبيب لن يتأثر ولن يضره شيء مما فعله هذا المريض، ولكنه هو الذي سيزداد عليه المرض ويقود نفسه إلى الهلاك، وكذلك الإنسان إن لم يتبع منهج الله، فإنه يضيع نفسه ويغرقها في الشقاء لأن الحق سبحانه قد وضع هذا المنهج وفيه علاج لكل أمراض الإنسان، فإن عمل به الإنسان نجا من بلاء الدنيا، وإذا عمل به مجتمع لن يظهر فيه الشقاء. بل يمتلىء بالرخاء والأمن والطمأنينة، ومن لم يعمل به فلن يضر الله شيئا، بل يحصل على الشقاء ويهلك نفسه. وحين يخاطب الحق سبحانه الذين آمنوا يوضح: خذوا مني هذا التكليف ففيه سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، ولهذا نجد أن الحق سبحانه وتعالى لا يذكر أمرا من أوامره بأي تكليف أو نهيا من نواهيه، إلا مسبوقا بقوله سبحانه: ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ مثل قوله تعالى:
يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام...
[البقرة: 183]. وقوله سبحانه:
يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص...
[البقرة: 178]. وهذه التكليفات لم تأت مبنية للمعلوم، فمن الذين يكتب؟ إنه الحق سبحانه، كما أنها صيغة مبنية دائما لما لم يسم فاعله، أي: أن الكتابة أتت من كثير. ونقول: صحيح أن الله سبحانه وتعالى هو الذي كتب، فلماذا لم يقل: يأيها الذين آمنوا كتبت عليكم. ولماذا يقول: ﴿ يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ﴾؟. ونقول: لأن الله وإن كان قد كتب، إلا أنه لم يكتبها على كل خلقه، بل كتبها على الذين آمنوا به، وأنت بإيمانك أصبحت ملتزما بعناصر التكليف، فكأن الحق سبحانه لم يكتب ثم يلزمك، ولكن التزامك تم في نفس اللحظة التي دخلت فيها باختيارك في الإيمان.
وبذلك تكون كل هذه الأحكام قد كتبت علينا باختيار كل منا، فمن لم يختر الإيمان ليس مكتوبا عليه أن ينفذ أحكام الإيمان لأنها لا تنفذ إلا بالعقد الإيماني بيننا وبين الحق سبحانه وقد احترم سبحانه دخولنا في هذا العقد، فلم ينسبه لذاته العلية فقط، بل شمل أيضا كل من دخل في الإيمان. ولذلك فإن سأل أحد عن حكمة التكليف من الله، نقول له: إن الحكمة تنبع من أنه سبحانه هو الذي كلف. ثم إن معرفة الحكمة لا تكون إلا من المساوي للمساوي، فإن ذهب المريض إلى الطبيب وكتب له الدواء، وظل المريض يناقش الطبيب في الدواء وفوائده فالطبيب يرفض المناقشة، ويقول للمريض: ادخل كلية الطب واقض فيها سبع سنوات، واحصل على الدرجات العلمية، ثم تعال وناقشني. إذن: فأنت تربط علة التكليف بأمر المكلف، مع أن المكلف من البشر قد يخطئ. أما إذا جئنا بمجموعة من الأطباء ليكشفوا على مريض احتار الطب فيه، ثم جلسوا بعد الكشف يتناقشون، فكل منهم يقبل مناقشة الآخر لأنه مساو له في الفكر والثقافة والعلم إلى آخره، لكن إن أردت أن تسأل عن الحكمة في تكليف من الله فلن تجد مساويا لله سبحانه وتعالى، وبذلك تكون المناقشة مرفوضة. إذن: فالمكلف لا بد أن تكون له منزلة سابقة على التكليف، ومنزلة الحق أنك آمنت به، ولهذا أرى أن البحث عن أسباب التكليف هو أمر مرفوض إيمانيا، فإذا قيل: إن الله فرض الصوم حتى يشعر الغني بألم الجوع ليعطف على الفقير، نقول: لا، وإلا سقط الصوم عن الفقير لأنه يعرف ألم الجوع جيدا. وإذا قيل لنا: إن الصوم يعالج أمراض كذا وكذا وكذا. نقول: إن هذا غير صحيح، وإلا لما أسقط الله فريضة الصوم عن المريض في قوله تعالى: