تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.112

وبعد أن عرض الحق هذه الصفقة، فمن هم المقبلون عليها؟ إنهم التائبون، والتوبة: هي الرجوع عن أي باطل إلى حق. وعم يتوب هؤلاء التائبون؟ نحن نعلم أن هناك إيمانا اسمه إيمان الفطرة. نجد ذلك في قول الحق سبحانه وتعالى:

وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون

[الأعراف: 172-173]. إذن: فالإيمان أمر فطري، والكفر هو الذي يطرأ عليه، وقلنا من قبل: إن الكفر هو الدليل الأول على الإيمان لأن الكفر هو الستر، فمن يكفر بالله - والعياذ بالله - إنما يستر وجوده، فكأن وجوده هو الأصل، ثم يطرأ الكفر فيستره، ثم يأتي من ينبه في الإنسان مشاعر اليقين والإيمان فيرجع الإنسان إلى الإيمان بالله بعد أن يزيل الغشاوة التي طرأت على الفطرة. و ﴿ التائبون ﴾: منهم التائبون عن الكفر الطارئ على إيمان الفطرة، وأخذوا منهج الله الذي آمنوا به، ومن هنا نشأت العبادة التي تقتضي وجود عابد ومعبود، والعبادة تعني الانصياع من العابد لأوامر ونواهي المعبود. ﴿ التائبون العابدون الحامدون ﴾ والعبادة كلها طاعة تتمثل في تطبيق ما جاء به المنهج من " افعل " و " لا تفعل " ، وقد يتدخل المنهج في حريتك قليلا، وأنت بقوة الإيمان تعتبر أن هذا التدخل في هذه الحرية نعمة يجب أن تحمد الله عليها لأنه لو تركك على هواك، كما يترك ولي أمر التلميذ ابنه على هواه فهو يفشل، ولكن الأب الذي يحث ابنه على المذاكرة وينهاه عن اللعب والعبث، فلا بد أن ينجح. إذن: الأوامر والنواهي هنا نعمة، كان يجب أن نحمد ربنا عليها، وكل ما يجريه الله على العبد المؤمن يجب أن يأخذه العبد على أساس أنه نعمة. إذن: فالذين تابوا عن الكفر الطارئ على إيمان الفطرة هم تائبون يأخذون منهج الإيمان من المعبود، ويصبحون بذلك عابدين لله، أي: منفذين الأوامر، ومبتعدين عن النواهي، وهم يعلمون أن الأوامر تقيد حركة النفس وكذلك النواهي، ولكنهم يصدقون قوله صلى الله عليه وسلم:

" حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات "

حين تعرف أن العبادة أوصلتك إلى أمر ثقيل على نفسك، فاعرف أن هذا لمصلحتك وعليك أن تحمد الله عليه وبذلك يدخل المؤمن في زمرة الحامدين. وأنت حين تؤمن بالله، يصبح الله في بالك، فلا يشغلك كونه عنه سبحانه، وإياك أن تشغل بالنعمة عن المنعم، واجعل الله دائما في بالك، والحق سبحانه يقول:

كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى

[العلق: 6-7]. لذلك يفكر المؤمن في الله دائما ويشكر المنعم على النعمة وآثارها من راحة في بيت وأولاد وعمل. و ﴿ الحامدون ﴾ أيضا لا بد أن يستقبلوا كل قدر لله عليهم بالرضا لأن الذي يجرى عليهم القدر - ما دام لم يأمرهم بما لم يقع في اختيارهم - فهو حكيم ولا يجري سبحانه عليهم إلا ما كان في صالحهم. وبعد أن ترضى النفس بما أجرى عليها تعرف الحكمة ولذلك يقول سبحانه:

واتقوا الله ويعلمكم الله...

[البقرة: 282]. ويتابع الحق صفات المقبلين على الصفقة الإيمانية فيقول: ﴿ السائحون ﴾ ومعنى " سائح " هو من ترك المكان الذي له موطن، فيه بيته وأهله وأولاد وأنس بالناس، ثم يسيح إلى مكان ليس له فيه شيء ما، قد يتعرض فيه للمخاطر، والمؤمن إنما يفعل ذلك لأنه لا شيء يشغله في الكون عن المكون، ويقول الحق سبحانه:

قل سيروا في الأرض ثم انظروا...

[الأنعام: 11]. إذن: فالسياحة هي السير المستوعب، والسير في الأرض منه سير اعتبار لينظر في ملكوت السماوات والأرض، وليستنبط من آيات الله ما يدل على تأكيد إيمانه بربه، ومنه سير استثمار بأن يضرب في الأرض ليبتغي من فضل الله. إذن: فالسياحة إما سياحة اعتبار، وإما سياحة استثمار، أما سياحة الاستثمار فهي خاصة بالذين يضربون في الأرض، وهم الرجال. أما سياحة الاعتبار فهي أمر مشترك بين الرجل والمرأة، بدليل أن الله قال ذلك في وصف النساء:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٢٥