تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون

[التحريم: 6]. فإذا قال لكم الرسول الملك: أنا أسوة لكم في العمل الصالح، أكانت تصح الأسوة؟ من المؤكد أن بعضنا سيقول: لا، لن تنفع الأسوة لأنك ملك مطبوع على الخير، وليس لك شهوة بطن، ولا شهوة فرج، إذن: فأسوتنا بك لا تصلح. إذن: فمن رحمته سبحانه بكم أن جعل لكم رسولا من أنفسكم، ومن قبيلتكم، ومن العرب، لا من فارس أو الروم، وهو يخاطبكم بلغتكم لأنكم أنتم أول آذان تستقبل الدعوة فلا بد أن يأتي الرسول بلسانكم، وجاءكم محمد صلى الله عليه وسلم بالأنس والألفة لأن من قريش التي لها بطون في كل الجزيرة ولها قرابات، وأنس وألفة بكل العرب، وأنس ثالث أنه من البشر، وجاء به الحق سبحانه فردا من الأفراد، محكوم له بالصدق والأمانة قبل أن يبلغكم رسالته من الله.

إذن: فإذا جاءكم الرسول بتكليف قد يشق عليكم، فاستصحبوا كل هذه الأشياء لتردوا على أنفسكم: هو بشر وليس ملكا. هو من العرب وليس من العجم. هو من قبيلتكم التي نشأ بينكم فيها. هو من تعرفون سلوكه قبل أن يبلغ عن الله، فما كذب على البشر في حق البشر. أفيكذب على البشر بحق الله؟ وقرأ عبد الله بن قسيط المكي هذه الآية: ﴿ من أنفسكم ﴾ أي: أنه صلى الله عليه وسلم بالمقياس البشري هو من أقدركم وأحسنكم. ولذلك حينما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة عن الله، هل انتظرت سيدتنا خديجة رضي الله عنها أن يأتي لها بمعجزة؟ هل انتظر أبو بكر أن يأتي له بمعجزة؟ لا، لم ينتظر أحدهما لأن كلا منهما أخذ المعجزة من ناحية تاريخه الماضي. وحينما قال لخديجة: " يأتيني ويأتيني ويأتيني " وكانت ناضجة التكوين والفكر والعقل، وعلمنا مما قالت لماذا اختار الله له أن يتزوجها وعمره خمسة وعشرون عاما، وعمرها أربعون سنة، مع أن المألوف أن يحب الإنسان الزواج ممن هي دونه في العمر. لكن المسألة لم تكن زواجا بالمعنى المعروف، لكنه زواج لمهمة أسمى مما نعرف، ففي فترة هذا الزواج ستكون الفترة الانتقالية بين البشرية العادية إلى البشرية التي تتلقى من السماء، وهذه فترة تحتاج إلى قلب أم، ووعاء أم تحتضنه وتربت عليه. فلو كانت فتاة صغيرة وقال لها مثلما قال صلى الله عليه وسلم لخديجة لشكت في قواه العقلية، لكن خديجة العاقلة استعرضت القضية استعراضا عقليا بحتا. فحين قال لها: أنا أخاف أن يكون الذي يأتيني رئى من الجن. قالت له: " إنك لتصل الرحم، وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق، والله لا يخزيك الله أبدا ". إذن: فقد أخذت من مقدمات حياته قبل البعثة ما يدل على صدقه بعد البعثة. وكذلك أبو بكر رضي الله عنه، حينما قالوا له: إن صاحبك يدعي أنه رسول. قال: أهو قالها؟ قالوا: نعم. قال: إنه رسول من الله لأنه لم يكذب طوال عمره. وبعد ذلك يقول الحق: ﴿ عزيز عليه ما عنتم ﴾. وكلمة ﴿ عزيز ﴾ أي: لا ينال ولا يقدر عليه أحد، والشيء العزيز أي نادر الوجود. وقد تقول لإنسان: " قد تكن وزيرا " فيصمت رجاء، لكن إن قلت له: " ستصبح رئيس وزراء " فيقول: هذه مسألة مستعصية وكبيرة علي بعض الشيء.

إذن: فالعزة تأتي لامتناع شيء إما لقدرته، أو عزيز بمعنى نادر، أو يستحيل. والعزيز - هو الأمر الذي يعز على الناس أن يتداولوه، فيقال: " عز علي أن أصل إلى قمة الجبل ". ﴿ عزيز عليه ﴾ أي: شاق عليه أن يعنتكم بحكم فقلبه رحيم بكم، وهو لا يأتي لكم بالأحكام لكي تشق عليكم، بل تنزل الأحكام من الله لمصلحتكم، فهو نفسه يعز عليه أن يشق عليكم. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم

" مثلي كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها. وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها. قال: فذلكم مثلي ومثلكم. أنا آخذ بحجزكم عن النار. هلم عن النار. هلم عن النار. فتغلبوني تقحمون فيها. "

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٥٣