9.70
وبعد أن ذكر الحق في الآية السابقة القضية العامة في قوله: ﴿ كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ﴾ جاء في هذه الآية بالأعلام والأشخاص وهم الرسل ومن عاداهم فقال: ﴿ ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم ﴾ وساعة يقول: ﴿ ألم يأتهم ﴾ فهنا همزة الاستفهام، ولام النفي. والهمزة تنفي هذا النفي، أي أتاهم نبأ هؤلاء. وحين ينفى النفي في أمر فالمراد إثبات الأمر، وأنت لا تستفهم الاستفهام الإنكاري، إلا وأنت واثق من أن الجواب عند من تسأله هو: " نعم " ، فحين تقول لإنسان: أنت تخليت عني في محنتي. فيقول: ألم أزرك في يوم كذا؟ ألم أعطك كذا؟ ألم أصنع مع ابنك كذا؟ فهو واثق أنك لا تستطيع إنكار شيء من هذا لأنه ثابت ثبوتا حقيقيا. ونلحظ هنا أن الحق جاء بالخطاب للغيبة فقال: ﴿ ألم يأتهم ﴾ ولم يقل: " ألم يأتكم " ، فسبحانه يخاطبهم ترقيقا لهم، ثم يتكلم عنهم مرة ثانية وكأنهم غائبون. وكأن هذا أيضا مزيد من حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم في غيبتهم، فهو صلى الله عليه وسلم حريص على هدايتهم. ﴿ ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم ﴾ والنبأ: هو الخبر الهام. ونحن لا نقول عن كل خبر: نبأ، بل نقول عن الخبر الهام فقط إنه نبأ، والنبأ أصله من النبوة، والنبوة واضحة ظاهرة وليست مطموسة ولذلك فكل شيء هام ظاهر قد حدث يقال عنه نبأ. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم * الذي هم فيه مختلفون
[النبأ: 1-3]. ولا يوجد نبأ أعظم من نبأ يوم القيامة. وقد جاء الحق سبحانه وتعالى بالقضية الأولى التي كان الخطاب فيها مباشرا كقضية عامة، وجاء بالقضية الثانية التي تكلم فيها عنهم غيبا كقضية خاصة. ثم حدد الحق سبحانه المقصود بالذين من قبلهم، وهم قوم نوح الذين أغرقهم الله بالطوفان. وكان قوم نوح كلما مروا عليه وهو يصنع السفينة سخروا منه، وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى ردا على من سخروا من نوح:
إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون
[هود: 38]. أي أنتم يا من تسخرون من نوح عليه السلام جاهلون بالغيب، ولكن الله أعلم نوحا وقومه بما سوف يكون، ولذلك فالسخرية الحقيقية هي من أولئك الذين رفضوا الإيمان، ولم يعلموا بما أعده الله لهم. ثم ذكر الحق بعد ذلك عادا وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين وهم قوم شعيب، والمؤتفكات أي قوم لوط. ومعنى المؤتفك أي المنقلب. وقد جعل الله عاليها سافلها. ويقول الحق سبحانه:
والمؤتفكة أهوى * فغشاها ما غشى
[النجم: 53-54]. أي: كانت عالية فأنزلها للهاوية. والإفك هو الصرف عن الحقيقة، كما قالوا لإبراهيم:
أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين
[الأحقاف: 22]. أي: لتصرفنا عنهم. ما قصة هؤلاء الأنبياء وأقوامهم؟ يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ أي أن قوم نوح وقوم إبراهيم وغيرهم أتتهم رسالات السماء ولم تأتهم الرسالة كمنهج فقط، بل جاءتهم معجزات تثبت صدق بلاغ الرسل عن ربهم، فكأنه لا حجة لهم أن ينصرفوا عن منهج السماء أو أن يكذبوا به لأن كل منهج مؤيد بمعجزة تثبت صدق الرسول في رسالته. وقد تتابع هؤلاء الرسل على البشر ليهدوهم إلى منهج السماء، ويبينوا لهم طريق الحق. وكان تعدد الرسالات في أول الخلق لأن العالم كان منعزلا عن بعضه البعض، حتى إن أقواما عاشوا على الأرض في زمن واحد وأماكن متفرقة ولم يعلم أحد منهم عن الآخر شيئا، ولكن العالم الآن اتصل ببعضه البعض، بحيث إذا وقعت الحادثة في مكان، نراها عن طريق الأقمار الصناعية في ثوان، وربما في نفس الوقت الذي تحدث فيه إن كان الحادث معدا له مسبقا، وقد رأى العالم كله أول إنسان ينزل فوق سطح القمر في نفس اللحظة التي نزل فيها. وعندما كان العالم يعيش في انعزال، كانت كل بيئة لها لون من المعصية والفساد، فكان الرسول يأتي ليحارب هذا اللون من المعصية والفساد الموجود في في بيئة معينة، ولا يوجد هذا اللون من المعصية والفساد في بيئة أخرى. ولكن عندما توحد العالم توحدت الداءات فالداء يظهر في أمريكا مثلا، وبعد فترة قصيرة جدا يظهر في أوروبا أو في مصر. ولذلك كان لا بد أن يأتي رسول واحد لأن الداءات أصبحت واحدة، واقتضى الأمر وحدة المعالجة لذلك كانت رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة عامة لكل الأزمان وكل الأمكنة. وحين يقول سبحانه: ﴿ أتتهم رسلهم بالبينات ﴾ فالبينات هي الشيء الذي يبين لك ما هو الحق، والمعجزات التي صاحبت الرسالات السماوية بينت وأكدت أن الرسول مبلغ عن ربه، وكانت المعجزة واضحة تماما ليراها كل قوم رؤية تسمح باستيعابها. ولذلك كان كل رسول يأتي بآية يجمع الكل على أنها معجزة. فأنت قد تأتي بشيء عجيب، ولكن لا يجمع الناس على أنه معجزة، فعندما اخترع الفانوس السحري، قال بعض الناس: إنه شيء عجيب. وبعضهم قال: إنه خداع نظر. ولكن معجزات الرسل لا بد أن تستوعبها كل مستويات العقول، يستوعبها المتعلم والذي لم يقرأ حرفا في حياته لأن الدين دين فطرة يخاطب أكبر العقول وأكثرها علما كما يخاطب عقل البدوي الذي يقضي حياته كلها في الصحراء لا يعرف شيئا ولم يعش حضارة ولم يدرس علما. إذن: فالمعجزات لا بد أن تكون واضحة لكل المستويات حتى لا يكون هناك عذر لأحد.