9.81
والفرح هو السرور من فعل تبتهج النفس به. والمخلفون هم الذين أخلفهم نفاقهم، وتركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وذهب إلى الجهاد. بعد أن جاءوه بالمعاذير الكاذبة التي قالوها، وقد تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الحق سبحانه قال:
لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا
[التوبة: 47]. ومن لا يريد أن يجاهد في سبيل الله إن أخذته معك كرها، يكون ضدك وليس معك. وسيشيع الأكاذيب بين المؤمنين، ويحاول أن يخيفهم من الحرب، وإذا بدأ القتال فهو أول من يهرب من المعركة. ويبحث عن مغارة أو حجر يختفي خلفه. إذن: فهو ليس معك ولكنه ضدك لأنه لن يقاتل معك، بل ربما أعان عدوك عليك. وفي نفس الوقت هو يضر بالمسلمين، ويحاول أن يشيع بينهم الرعب بالإشاعات الكاذبة. ويبين الحق سبحانه وتعالى هنا فطرة رسول الله الإيمانية بأنه أذن لهؤلاء بعدم الخروج للجهاد مع أن عذرهم كاذب فجاء قوله: ﴿ فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله ﴾ والمقعد هو مكان القعود. والقعود رمز للبقاء في أي مكان. والقيام رمز لبداية ترك المكان إلى مكان آخر، والذين غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قاموا واستعدوا للقتال، أما الذين تخلفوا فقد قعدوا ولم يقوموا رغبة في البقاء في أماكنهم. ويقول تعالى: ﴿ خلاف رسول الله ﴾ وحين نسمع كلمة ﴿ خلاف ﴾ نعرف أن مصدرها خالف خلافا ومخالفة كما تقول: قاتل قتالا ومقاتلة. وهي إما أن تكون مخالفة في الرأي، كأن تقول: فلان في خلاف مع فلان، أي: أن لكل منهما رأيا. وإما أن تكون في السير، كأن تقوم أنت لتغادر المكان ويخالفك زميلك أو من معك فيقعد، أو تقعد أنت، فيخالفك هو ويمشي. والخلاف من ناحية الرأي هون عملية قلبية، والخلاف من ناحية الحركة يشترك فيها القلب أو الجسد، وهم حين فرحوا بالقعود بعد قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين للجهاد، فهذا دليل على أن مسألة القعود هذه صادفت هوى في نفوسهم وارتاحوا لها وبذلك خالفوا شرط الإيمان لأن الذين يحق لهم أن يتخلفوا عن الجهاد قد حددهم القرآن الكريم في قول الحق سبحانه وتعالى:
ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله
[التوبة: 91]. وقوله:
ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا أجد مآ أحملكم عليه
[التوبة: 92]. أي: أوضحت لهم أنك لا تملك ما يركبون عليه، ليصلوا معك إلى موقع القتال. وقد بين لنا الحق حال هؤلاء الذين لم يخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب هذه الأعذار فقال عنهم:
تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون
[التوبة: 92]. إذن: فهؤلاء الذين تخلفوا بأعذار يملؤهم الحزن، وتفيض أعينهم بالدمع لأنهم حرموا ثواب الجهاد في سبيل الله. أما الذين يفرحون بالتخلف عن الجهاد فهم منافقون. وقوله سبحانه: ﴿ خلاف رسول الله ﴾ نجد فيه أيضا أن كلمة ﴿ خلاف ﴾ تستعمل أيضا بمعنى " بعد " ، أي بعد رسول الله، فما أن ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للغزوة قعدوا هم بعده ولم يذهبوا. وجلسوا مع الضعيف والمريض وأصحاب الأعذار الحقيقية، وكذلك الذين لم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم دواب ليركبوها، هؤلاء هم من تخلفوا. ويبين الحق سبحانه سبب تخلف المنافقين فيقول: ﴿ وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ﴾. أي: أنهم كرهوا أن يقاتلوا، وكرهوا الجهاد. وليت الأمر قد اقتصر على هذا، بل أرادوا أن يثبطوا المؤمنين ويكرهوهم في القتال في سبيل الله ﴿ وقالوا لا تنفروا في الحر ﴾ فهم لم يكتفوا بموقفهم المخزي، بل أخذوا في تحريض المؤمنين على عدم القتال. وقد كانت هذه الغزوة " غزوة تبوك " في أيام الحر. وكانت المدينة تمتلئ بظلال البساتين وثمارها، بينما الطريق إلى الحدود مع الروم طويلة. إذن: فهي غزوة كلها مشقة. وقال المنافقون للمؤمنين ﴿ لا تنفروا ﴾ ، والنفور هو كراهية الوجود لشيء ما. ويقال: فلان نافر من فلان، أي: يكره وجوده معه في مكان واحد. ويقال: فلان بينه وبين فلان نفور، أي: يكرهان وجودهما في مكان واحد. والذي يخرج للحرب كأنه نفر من المكان الذي يجلس فيه ذاهبا إلى مكان القتال. ويكون القتال والتضحية بالمال والنفس في سبيل الله أحب إليه من القعود والراحة. إذن: فقوله تعالى: ﴿ وقالوا لا تنفروا في الحر ﴾ أي: أنهم يريدون أن يعطوا لأنفسهم عذرا لعدم الخروج للجهاد لأن الجو حار وفيه مشقة. ولكنهم أغبياء لأنهم لو خافوا من الحر ومشقته وجلسوا في الظل ومتعته، لأعطوا لأنفسهم متعة زمنها قصير ليدخلوا إلى مشقة زمانها طويل. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ﴾ فإن كانوا قد اعتقدوا أنهم بهروبهم من الحر قد هربوا من مشقة، فإن مشقة نار جهنم والخلود فيها أكبر بكثير. والإنسان إن بشر بأشياء تسره عاما أو أعواما، ثم يأتي بعدها أشياء تسوؤه وتعذبه، فهو بمعرفته بما هو قادم يعاني من الألم ولا يستطيع الاستمتاع بالحاضر لأن الإنسان يحاول دائما أن يتحمل ليؤمن مستقبله. ولذلك تجد من يعمل ليلا ونهارا وهو سعيد، فإذا سألته كيف تتحمل هذا الشقاء؟ يقول: لأؤمن مستقبلي. إذن: فسرور عام أو أعوام تفسده أيام أو أعوام قادمة فيها سوء وعذاب، فماذا عن خلودهم في النار؟ ولكن هل قالوا: ﴿ لا تنفروا في الحر ﴾ في خواطرهم دون أن ينطقوا بهما، أم قالوها لبعضهم البعض سرا؟ ومن الذي أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوه؟ نقول: قد يكون ذلك هو ما دار في خواطرهم.