تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله..

[البقرة: 249]. وهكذا لا يحسب حساب للفارق في القوة المادية، فهذه خشية لا محل لها في قلوب المؤمنين في جانب الإيمان لأن الله مع الذين آمنوا. ثم يؤكد الحق سبحانه وتعالى حثه للمؤمنين على القتال فيقول: ﴿ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم... ﴾.

9.14

وقوله تعالى: ﴿ فقاتلوا ﴾ في الآية السابقة كانت حثا للمؤمنين على القتال، و ﴿ قاتلوهم ﴾ الثانية التي في هذه الآية للتحريض والترغيب في القتال، وأمر إيماني للمؤمنين بأن يقاتلوا الكفار. ثم يأتي المولى سبحانه وتعالى في هذه الآية بالحكمة من الأمر بالقتال فيقول: ﴿ يعذبهم الله بأيديكم ﴾ ونتساءل: إذا كان الله يريد أن يعذبهم فلماذا لا يأتي بآية من عنده تخضعهم للعذاب؟ نقول: لو انتصر المؤمنون بحدث كوني غير القتال لقال الكفار: حدث كوني هو الذي نصرهم. ويشاء الله سبحانه وتعالى أن ينهزم هؤلاء الكفار بأيدي المؤمنين لأن الكفار ماديون لا يؤمنون إلا بالأمر المادي، ولو أنهم كانوا مؤمنين بالله لانتهت المسألة، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد أن يري الكفار بأس المؤمنين لتمتلىء قلوبهم هيبة وخوفا من المؤمنين، ويحسبوا لهم ألف حساب، فلا تحدثهم أنفسهم بأن يجترئوا على الإيمان وعلى الدين أو أن يستهينوا بالمؤمنين. ولقائل أن يقول: إن الحق هنا يأمر فيقول: ﴿ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ﴾. وفي آية أخرى يقول:

وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم..

[الأنفال: 33]. فكيف يثبت الله العذاب وينفيه؟. ونقول: لقد نزلت الآيتان في الكفار. وسبحانه وتعالى يقول: ﴿ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ﴾ ولو قال: قاتلوهم تعذبوهم بأيديكم لاختلف المعنى، ولكن الآيتين تثبت إحداهما العذاب والأخرى تنفيه، ونقول: إن الجهة منفكة، فقوله تعالى: ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ أي: لا ينزل الله تعالى عليهم عذابا من السماء ما دمت فيهم، وقد وضح هذا في قوله تعالى:

وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم * وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون

[الأنفال: 32-33]. فقد سبق أن طلب الكفار عذابا من السماء ينزل عليهم إن كان القرآن هو الحق فرد الحق سبحانه وتعالى بأنه لا يعذبهم ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم لأنه أرسله رحمة للعالمين. ولكن عدم تدخل السماء بالعذاب بعد بعث رسول الله بالرسالة، لا يعني أن العذاب قد انتهى بالنسبة للكفار. وائتمن سبحانه المؤمنين على نصرة منهجه ودينه وهو معهم. ولكن العذاب يتم بالأسباب الأرضية، ولا يوجد تناقض. لأن العذاب من السماء قد يكون استئصالا لكل الكافرين صغارا وكبارا، كأن يغرقهم الطوفان، أو تأتي الصيحة فتبيدهم عن آخرهم، أو تجيئهم ريح صرصر عاتية تدمرهم، أو تصيبهم الرجفة فتجمدهم، وفي كل هذه الحالات لا يبقى أحد من الكفار، ولكن القتال البشري لا يقضي على الكفار نهائيا، فالإسلام يمنعنا من قتال النساء والصبيان، ومن قتال الذين لم يقاتلونا. إذن فالعذاب بعد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عذاب استئصال وإبادة كما كان في الأمم السابقة.

ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى قد عذب الأمم السابقة بتلك الوسائل، فكان على الرسول من السابقين على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الرسالة، وإن لم يؤمن قومه برسالته تتدخل السماء ضدهم بألوان العذاب السابقة. ولكن الحق تبارك وتعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده أن تدعو لدين الله، وتؤدب من يختصم الإيمان، ويدخل في عداوة مع المؤمنين فمنهم من يفر أو يقع في الأسر ويبقى الطفل والمرأة دون تعذيب. ﴿ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم.. ﴾ [التوبة: 14]. وما الفرق بين العذاب والخزي؟ نقول: قد نجد واحدا له كبر وجلد، وإن أصابه العذاب فهو يتحمله ولا يظهر الفزع أو الخوف أو الضعف، ويمنعه كبرياؤه الذاتي من أن يتأوه، ولمثل ذلك هناك عذاب آخر هو الخزي، والخزي أقسى على النفس من العذاب لأن معناه الفضيحة، كأن يكون هناك إنسان له مهابة في الحي الذي يسكن فيه، مثل فتوة الحي، ثم يأتي شاب ويدخل معه في مشاجرة أمام الناس ويلقيه على الأرض، هذا الإلقاء لا يعذبه ولا يؤلمه، وإنما يخزيه ويفضحه أمام الناس، بحيث لا يستطيع أن يرفع رأسه بين الناس مرة أخرى، والخزي هنا أشد إيلاما لنفسه من العذاب. ولا يريد سبحانه أن يعذب الكفار بأيدي المؤمنين فقط، بل يريد لهم الافتضاح أيضا، بحيث لا يستطيعون أن يرفعوا رءوسم. وجاء الحق سبحانه وتعالى بنتيجة ثالثة لهذا القتال فقال: ﴿ وينصركم عليهم.. ﴾ [التوبة: 14]. وعلى هذا فعندما يقاتل المؤمنون الكفار يصيب الكفار العذاب والخزي والهزيمة. إذن ﴿ يعذبهم الله بأيديكم ﴾ مرحلة، ﴿ ويخزهم ﴾ ، مرحلة ثانية ﴿ وينصركم عليهم ﴾ مرحلة ثالثة، ثم تأتي المرحلة الرابعة: ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ [التوبة: 14]. أي: أن النصر الذي سيحققه المؤمنون بعون الله تعالى في قتالهم مع الكفار سيشفي صدور المؤمنين الذين استذلهم الكفار واعتدوا عليهم، فكأن هذا النصر يشفي الداء، الذي ملأ صدور أولئك المؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم، أي: يخرج الغيظ والانفعال المحبوس في الصدور، فكأن قتال المؤمنين للكفار لا يحقق فقط العذاب والخزي للكفار والنصر للمؤمنين عليهم، ولكنه يعالج - أيضا - قلوب المؤمنين التي ملأها الألم والغيظ من سابق اعتداء الكفار عليهم ومحاولتهم إذلالهم وأخذ حقوقهم. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشآء... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١١٣