تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.69

وهنا يذكرهم سبحانه بمواكب الكفر التي صاحبت الرسل السابقين، وقد كانت هذه المواكب فيها المنافقون وفيها الكفار، وسبحانه وتعالى عندما يرسل رسولا يؤيده ضد أعداء منهج الخير. والحق سبحانه يريدنا أن نتذكر ما حدث للأمم السابقة الذين كانوا أكثر قوة وأكثر أموالا وأولادا من أولئك الكفار والمنافقين الذين يواجهون رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولنقرأ قول الحق جل جلاله:

والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * والليل إذا يسر * هل في ذلك قسم لذى حجر * ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد

[الفجر: 1-14]. ونحن لم نشهد ﴿ إرم ذات العماد ﴾ التي وصفها الحق سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ لم يخلق مثلها في البلاد ﴾ ، ولكن القرآن أكد لنا أنها وصلت إلى درجة من الحضارة التي لم يصل إليها أحد. وقد يتساءل بعض الناس: أين ﴿ إرم ذات العماد ﴾ من حضارات اليوم؟. ونقول: إن هناك أسرارا لله في كونه قد أعطاها بعض خلقه ولم يعطها لأحد حتى الآن. وإذا نظرنا إلى الفراعنة مثلا نجد أن الحق سبحانه وتعالى قد وصفهم في القرآن بقوله: ﴿ وفرعون ذى الأوتاد ﴾. والأهرامات أوتاد، والمسلات أوتاد، وما زالت علوم حضارة الفراعنة تغيب عن البشر حتى الآن، فهناك من مظاهر هذه الحضارة ما نعجز عنه حتى الآن، مثل سر التحنيط وبناء الأهرام فهذه الكتل الحجرية الضخمة التي ارتفعت ويمسك بعضها البعض، دون أية مواد مثبتة، وما زال العلم الحديث عاجزا حتى اليوم عن أن يوجد هرما مبنيا بنفس طريقة قدماء المصريين دون استخدام أي مواد مثبتة، ومع ذلك فهؤلاء الفراعنة لم يستطيعوا أن يسودوا الكون رغم قوتهم وحضارتهم، بل أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. وجاءت الرمال فدفنت حضارتهم. ثم شاء الله لنا أن نكشف عن جزء بسيط منها فإذا بهذا الجزء البسيط يبهر الدنيا كلها. وإذا بالعالم كله يأتي ليشاهد حضارة الفراعنة، ويتعجب من هذا الفن وهذا الرقي في العلم. فإذا كانت هذه هي حضارة آل فرعون، فما بالك بحضارة إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد؟ وهكذا نعلم أن بعض حضارة إرم ذات العماد ما زالت مخفية حتى الآن لا يعلم أحد عنها شيئا. ومدفونة في باطن الأرض. ولعل الله سبحانه وتعالى قد أبقاها ليكشفها في زمن قادم يزداد فيه بعد الناس عن الدين لأن الإنسان كلما تقدم في الحضارة ابتعد عن الإيمان لإحساسه بأنه متمكن في الكون مسيطر عليه حينئذ ربما يكشف الحق سبحانه وتعالى عن حضارة ﴿ إرم ذات العماد ﴾ ليعرف الناس أن ما وصلوا إليه لا يساوي شيئا مما كشفه الله لهؤلاء القوم.

وإن سأل سائل: أين هي حضارة ﴿ إرم ذات العماد ﴾؟ نقول له: إنها في وادي الأحقاف والهبة الواحدة من الرياح في هذا الوادي تستر قافلة بأكملها أي إذا هبت ريح، فإن الرمال لا تداري الطريق وحده ولكنها تداري القافلة كلها، فكم عاصفة رملية هبت على المكان الذي كانت تقطنه ﴿ إرم ذات العماد ﴾ فأخفت حضارتهم؟ لا بد إذن من حفريات على مستوى عميق جدا لنعثر على تلك الحضارة لأننا نعلم ونرى أن كل الكشوف الأثرية تحتاج أن نحفر لها لأن الرمال تتراكم فوق الآثار. بل إننا نرى البيوت القديمة في القرى، لا بد أن تنزل لها بدرجة أو درجتين لتدخل إليها من الباب لأن العوامل الطبيعية والرصف وغير ذلك تزيد من علو الطريق. فإذا كان هذا هو عمل الرياح العادية في وقت قصير، فما بالك بالأعاصير في أزمان طويلة؟ وأنت إذا سافرت وأغلقت نوافذ مسكنك إغلاقا محكما، وعدت بعد شهر واحد تجد الأثاث مغطى بطبقة من التراب، فإن غبت عاما وجدت كمية كثيفة من التراب، هذا بالنسبة لبيت محكم الإغلاق، فما بالك بحضارة معرضة لكل هذه الظواهر الطبيعية، وتستر كل شهر بطبقة جديدة كثيفة من التراب؟ ويقول سبحانه: ﴿ كانوا أشد منكم قوة ﴾ أي: أن حضارتهم أكبر من حضارتنا لأن الحضارة كلما كانت متقدمة كانت الأمة قوية، وكلما تأخر شعب حضاريا كان ضعيفا. إذن: فالذين من قبلنا كانوا أكثر حضارة وأكثر أموالا وأولادا. ولسائل أن يسأل: كيف تكون لهم كثرة أولاد والعالم يزداد عددا كل عام، وكيف تكون لهم كثرة أموال ونحن نكشف كنوز الأرض جيلا بعد جيل؟ نقول: لا تأخذ الكثرة على أنها كثرة عددية، بل خذها بنسبتها لأنك إذا جئت بمائة شخص ووضعتهم في حجرة، يقال عنهم: " كثير ". فإذا أخذت كل واحد منهم ووضعته في مكان بعيد عن الآخر يكون العدد قليلا. وكان العالم في الماضي مسكونا بأماكن محدودة، بدليل أننا اكتشفنا قارات وأماكن لم يكن يعرفها أحد. إذن: فالكثرة هنا بالنسبة للحيز، وهم في حيزهم الذي يعيشون فيه كانوا كثرة، وبالأموال التي كانت بين أيديهم بعددهم المحدود كانوا أكثر منكم أموالا بعددكم الكبير، أي أن نصيب الفرد كان أكبر، وكذلك الأولاد. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ فاستمتعوا بخلاقهم ﴾ والخلاق هو النصيب أو الحظ الذي يصيب الإنسان من أي نعمة، ويقول سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٤٠