نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء
[النور: 35]. والمفسد يكره أن يوجد مثل هذا النور، بل يريد أن يطفئه، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله... ﴾.
9.32
لكن هل يستطيعون أن يطفئوا نور الله؟ لا لأن الإنسان في الأمر الحسي لا يستطيع أن يطفئ النور لأن هناك فرقا بين مصدر النور وبين أداة التنوير، فالإنسان يمكنه أن يحطم الدائرة الزجاجية التي تحمل النور، لكن لا أحد بإمكانه أن يطفئ " المنور " والمنور الأعلى هو الله، ولا أحد يستطيع إطفاءه. ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله.. ﴾ [التوبة: 32] أي: لا يريد الله شيئا ﴿ إلا أن يتم نوره ﴾ [التوبة: 32]، وسبحانه قد أرسل الرسل حاملة لمنهج النور ولم يرسل الرسل لينتصر عليهم الكفر، ولذلك يقول لنا: ﴿ ويأبى الله ﴾ [التوبة: 32] أي لا يريد ﴿ إلا أن يتم نوره ﴾ [التوبة: 32]. ويتابع الحق جل جلاله قوله: ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق... ﴾.
9.33
والرسول صلى الله عليه وسلم إنما جاء بالقيم التي تهدي إلى الطريق المستقيم، جاء بالدين الحق. فكلمة " دين " أخذت واستعملت أيضا في الباطل، ألم يأمر الحق سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لكفار ومشركي مكة:
لكم دينكم ولي دين
[الكافرون: 6]. فهل كان لهم دين؟ نعم كان لهم ما يدينون به مما ابتكروه واخترعوه من المعتقدات لكن ﴿ ودين الحق ﴾ [التوبة: 33] هو الذي جاء من السماء. ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ﴾ [التوبة: 33] ولنلحظ أن الحق سبحانه وتعالى جاء بهذا القول ليؤكد أن الإسلام قد جاء ليظهر فوق أي ديانة فاسدة، ونحن نعلم أن هناك ديانات متعددة جاءت من الباطل، فسبحانه القائل:
ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السموت والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون
[المؤمنون: 71]. ونتوقف عند قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ على الدين كله ﴾ [التوبة: 33]، فلو أن الفساد كان في الكون من لون واحد، كان يقال ليظهره على الدين الموجود الفاسد، ولكن هناك أديانا متعددة منها البوذية وعقائد المشركين، وديانات أهل الكتاب والمجوس الذين يعبدون النار أو بعض أنواع من الحيوانات، وكذلك الصابئة. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى لا يريد أن يظهر دينه الذي هو دين الحق على دين واحد من أديان الباطل الموجودة، ولكن يريد سبحانه أن يظهره على هذه الأديان كلها، وأن يعليه حتى يكون دين الله واقفا فوق ظهر هذه الأديان كلها، والشيء إذا جاء على الظهر أصبح عاليا ظاهرا. والحق سبحانه وتعالى يقول:
فما اسطاعوا أن يظهروه
[الكهف: 97]. أي: أن يأتوا فوق ظهره. وكل الأديان هي في موقع أدنى بكثير من الدين الإسلامي. بعض الناس يتساءل: إذن كيف يكون هناك كفار ومجوس وبوذيون وصابئون وأصحاب أديان أخرى كاليهودية والنصرانية، فما زالت دياناتهم موجودة في الكون وأتباعها كثيرون، نقول: لنفهم معنى كلمة الإعلاء، إن الإعلاء هو إعلاء براهين وسلامة تعاليم، بمعنى أن العالم المخالف للإسلام سيصدم بقضايا كونية واجتماعية، فلا يجد لها مخرجا إلا باتباع ما أمر به الإسلام ويأخذون تقنيناتهم من الإسلام، وهم في هذه الحالة لا يأخذون تعاليم الإسلام كدين، ولكنهم يأخذونها كضرورة اجتماعية لا تصلح الحياة بدونها. وأنت كمسلم حين تتعصب لتعاليم دينك، فليس في هذا شهادة لك أنك آمنت، بل دفعك وجدانك وعمق بصيرتك لأن تؤمن بالدين الحق، ولكن الشهادة القوية تأتي حين يضطر الخصم الذي يكره الإسلام ويعانده إلى أن يأخذ قضية من قضايا الإسلام ليحل بها مشكلاته، هنا تكون الشهادة القوية التي تأتي من خصم دينك أو عدوك. ومعنى هذا أنه لم يجد في أي فكر آخر في الكون حلا لهذه القضية فأخذها من الإسلام.