تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا

[الإسراء: 14]. فأنت الذي تحكم على نفسك. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ سيحلفون بالله لكم... ﴾.

9.95

وكلمة ﴿ سيحلفون ﴾ فيها سر إعجازي من الله لأن حرف " السين " هنا تدلنا على أنهم لم يحلفوا بعد، أي أن الآية نزلت وقرئت وسمعها المؤمنون والمنافقون قبل أن يحلف المنافقون، وآيات القرآن تتلى وتقرأ في الصلاة، ولا تتغير ولا تتبدل إلى يوم القيامة. ولو كان للمنافقين قدرة على التدبر لما جاءوا وحلفوا. ولقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قرآن يوحى إليه: إننا سنأتي ونحلف، ونحن لن نأتي ولن نحلف ولكن لأن الله هو القائل وهو الخالق وهو الفاعل، فقد شاء أن تغيب الفطنة عن أذهانهم، مثلما قال سبحانه من قبل:

سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم...

[البقرة: 142]. وهم قد قالوا ذلك بعد نزول الآية. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا: ﴿ سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم ﴾ والانقلاب معناه التحول من حال إلى حال. ومعنى الانقلاب في هذه الآية مقصود به العودة إلى المدينة مقر السلام والأمن بعد الحرب، فكأن الاعتدال في القتال والانقلاب في العودة إلى المدينة. ولكن لماذا سيحلف المنافقون بالله للمؤمنين؟ يقول الحق سبحانه: ﴿ لتعرضوا عنهم ﴾ أي: لتعرضوا عن توبيخهم ولومهم وتعنيفهم لأنهم لم يجاهدوا معكم. فقال الحق: ﴿ فأعرضوا عنهم ﴾ أي أعطوهم مطلوبهم من الإعراض ولكنه لون آخر من الإعراض، فلا تلوموهم ولا توبخوهم ولا تؤثموهم، بل أعرضوا عنهم إعراض احتقار وإهانة، لا إعراض صفح ومغفرة جزاء لهم على ما فعلوا لأن التأنيب والتوبيخ هما من ألوان الجزاء على المخالفة، ولكنه قد يحمل الأمل في المخالف ليعود إلى الصواب. فأنت إن لم يذهب ابنك إلى المدرسة مثلا توبخه وتعنفه، وأنت تفعل ذلك لأنك تأمل في أن ينصلح حاله، ولكن إذا استمر على مثل هذه الحال فأنت تهمله، والإهمال دليل على أنك فقدت الأمل في إصلاحه. كذلك كان الأمر بالنسبة للمنافقين، لو أن التوبيخ والإهانة كانت ستجعلهم يفيقون ويعودون إلى حظيرة الإيمان، فهذا دليل على أن هناك أملا في الإصلاح، وهم لن ينصلح حالهم، وهم في ذلك يختلفون عن المؤمنين، فالمؤمن إن ارتكب إثما فهو يستحق العتاب والتوبيخ من إخوته في الإيمان، وفي هذا إيلام له. والمؤمن عرضة أن تصيبه غفلة فيرتكب إثما، فإذا حدث بعد هذا الإثم إيلام له من نفسه، أو بواسطة إخوانه المؤمنين، فهو يفيق ويشعر بالذنب، وشعوره بالذنب وصول به إلى التوبة. أما هؤلاء المنافقون فلا ينفع معهم التوبيخ أو الإيلام النفسي لأنهم لن يعودوا أبدا إلى حظيرة الإيمان، ولذلك جاء الأمر: فأعرضوا عنهم لأنهم لا يستحقون - حتى - اللوم، فالتوبيخ جزاء على ذنب قد يقلع عنه من ارتكبه. ولكن هؤلاء لا أمل فيهم، والعلة يأتي بها القرآن: ﴿ إنهم رجس ومأواهم جهنم جزآء بما كانوا يكسبون ﴾ والرجس يطلق على معان متعددة، وقوله: ﴿ إنهم رجس ﴾ أي: هم الخباثة بذاتها، ويقول العلماء: أي أن فيهم خبثا وقذارة.

وأقول: إن الرجس هو القذارة نفسها، فلا نقول: إنهم قذرون لأننا إن قلنا ذلك فالمعنى يفيد أنهم طهر أصابهم قذر، وهم ليسوا كذلك، إنهم " قذر " في حد ذواتهم، ولا يطهرهم شيء لأن الذي يخرج من القذارة يكون مثلها فهم خباثة لا يطهرها لوم أو توبيخ. وأطلق الرجس هنا مثلما قال الحق:

إنما المشركون نجس...

[التوبة: 28]. ولم يقل: " نجسون " بل هم أنفسهم نجس. والرجس يطلق أيضا على الشيء القذر حسيا مثل الميتة، والحق سبحانه يقول:

قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به...

[الأنعام: 145]. إذن: فالميتة قذارة حسية، كذلك الخمر التي يقول فيها الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٩٤