تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.72

والوعد: بشارة بخير يأتي زمانه بعد الكلام. والوعيد: إنذار بسوء يأتي بعد الكلام. الوعد يشجع السامع على أن يبذل جهده ويعمل حتى يتحقق له الخير الذي وعد به. والوعيد يعطي السامع فرصة أن يمتنع عما يغضب الله فلا يناله عذاب الله. على أننا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال: ﴿ وعد الله المنافقين والمنافقات ﴾ ثم ذكر العذاب الذي ينتظرهم، وبعد ذلك قال: ﴿ وعد الله المؤمنين والمؤمنات ﴾ ثم وصف النعيم الذي ينتظرهم، مع أن الشائع في اللغة أن الوعد يكون بالخير والوعيد يكون بالشر، فكان من المناسب في عرف البشر أن يقول الحق سبحانه وتعالى: " أوعد الله المنافقين " لأن الذي سيأتي بعد ذلك عذاب ونار وشر، وأن يقول في المؤمنين: وعد الله لأن الذي سيأتي بعد ذلك جنة ونعيم وخير. ولكن الأسلوب جاء مخالفا للعرف البشري، فجاء بكلمة " وعد " ، وهي تقال دائما للخير في حديثه سبحانه وتعالى عن المنافقين والمؤمنين، واستخدام وعد بالنسبة للمؤمنين والمؤمنات موافق للمنطق البشري لأنه وعد بخير. ولكن بالنسبة للمنافقين فقد جاء الحق سبحانه وتعالى بكلمة " وعد " مكان " أوعد ". فالذي يتكلم هنا هو الحق سبحانه، فلا تقس كلام الله على كلام البشر لأن البشر يفوتهم في كلامهم ملاحظ، ولكنها لا تفوت ولا تخفى على الله، والبشر يتفاوتون في الأداء وأساليبه ولكن الحق أسلوبه واحد. فلماذا جاء سبحانه - إذن - بكلمة " وعد " بدلا من " أوعد "؟ نقول: إن الحق سبحانه وتعالى بعد أن عرف المنافقين والمنافقات، ثم تكلم عن جزائهم إن إصروا على نفاقهم، كان ذلك تحذيرا حتى لا يصروا على النفاق مخافة العذاب الذي ينتظرهم علهم يقلعون عن النفاق وينصرفون إلى الخير من الإيمان. إذن: فالحق سبحانه وتعالى حين حذرهم بالوعيد نصحهم، كما تقول لمن يهمل في دروسه: سترسب إذا أهملت دروسك. فتكون بذلك قد خدمت إقباله على المذاكرة. وأوصلته بالوعيد إلى أن يتجنب الأمر الذي أوعد به ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى:

يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * فبأي آلاء ربكما تكذبان

[الرحمن: 35-36]. هل الشواظ من النار نعمة حتى يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ أي: فبأي نعم ربك تكذب؟ نقول: نعم إنه نعمة لأن الحق سبحانه وتعالى حين يوضح لك: إن خالفت هذا فستذهب إلى النار، يكون قد قدم لك العظة والنصيحة، والعظة والنصيحة نعمة لأنه يجعلك تتجنب طريق النار وتختار طريق الجنة. إذن: فحين يحذر الله المنافقين والمنافقات بالمصير الذي ينتظرهم، يكون هذا خيرا ونعمة لأنهم إن اتعظوا وأقلعوا عن النفاق إلى الإيمان فهم ينجون أنفسهم من عذاب النار، وفي هذا خير عميم.

ولذلك استخدم الحق سبحانه وتعالى كلمة " وعد " ولم يستخدم " أوعد " ، وتكون الكلمة مؤدية للمعنى الذي أراده الله. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وعد الله المؤمنين والمؤمنات ﴾ والوعد كما قلنا بشارة بخير مستقبلي، والوعيد إنذار بشر يأتي في المستقبل، والوعد والإيعاد هما ميزان الوجود دنيا وآخرة لأنك إن وعدت من يلتزم بمنهج الله خيرا، استحسن الناس جميعا أن يصلوا إلى الخير باتباعهم المنهج، وإن أوعدتهم بشر إن خالفوا منهج الله نفر الناس من المخالفة والمعصية خوفا من العذاب وتجنبوا الشر. فإن صدق وعدك لأهل الخير بالخير، وصدق وعيدك لأهل الشر بالشر استقام ميزان الحياة. ولذلك نقول للذي يذاكر: إنك ستنجح، فإن أتقنت المذاكرة حصلت على المجموع الذي يؤهلك لدخول الكلية التي تختارها، وإن أهملت دروسك رسبت وفصلت من التعليم وضاع مستقبلك. هنا وعد ووعيد. إن وفيت ما وعدت ووقيت ما توعدت، استقام ميزان الحياة. ولكن إذا جئت لإنسان لم يذاكر وأنجحته وأعطيته أعلى الدرجات مخالفا بذلك وعيدك له، فأنت تهدم قضية كونية يترتب عليها مصالح الخلق كلهم. وإن وعدت من يحصل على 90% مثلا أنه سيدخل كلية الطب، ثم أخلفت وعدك فدخل كلية الطب من حصل على 70% واستبعد الحاصل على 90% بسبب تدخل الأهواء تكون أيضا قد اعتديت على حركة الحياة كلها وتفسد قضية العمل الجاد في حركة الحياة، وكل من لا يملك القدرة على تنفيذ ما وعد به أو أوعد به، لا يكون لكلامه وزن في حركة الحياة. على أنه إذا كان الوعد والوعيد من الحق سبحانه وتعالى فإنه مختلف مع منطق البشر لأننا أهل أغيار، فقد أعد بخير لا استطيع تنفيذه، وقد أعد بعقاب ثم أضعف بسبب ظروف معينة فلا أقوى على التنفيذ. إذن: فلكي تستقيم حركة الحياة، لا بد أن يأتي الوعد والوعيد من القادر دائما، القوي دائما، الموجود دائما صاحب الكلمة العليا بحيث لا يوجد شيء يمكن أن يجعله لا يفي بوعده أو لا يتم وعيده، فإذا قرأت سورة المسد تجد الحق سبحانه يقول فيها:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٥٠