9.101
أوضح سبحانه: وطنوا أنفسكم على أن من حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون، وهذا التوطين يعطي مناعة اليقظة حتى لا يندس واحد من المنافقين على أصحاب الغفلة الطيبين من المؤمنين، فينبههم الحق: انتبهوا فأنتم تعيشون في مجتمع محاط بالمنافقين. والتطعيم ضد الداءات التي تصيب الأمم وسيلة من وسائل محاربة العدو، ونحن نفعل ذلك ماديا حين نسمع عن قرب انتشار وباء فنأخذ المصل الواقي منه، رغم أنه داء إلا أنه يعطينا مناعة ضد المرض. وهكذا يربي الحق المناعة بحيث لا يمكن أن يهاجم المؤمنون عن غفلة، فيقول: ﴿ وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ﴾ و " مرد " يمرد أي: تدرب وتمرن، ويبقى الأمر عنده حرفة، وكأن الواحد منهم يجيد النفاق إجادة تامة. وكل ذلك ليوجد مناعة في الأمة الإسلامية حتى يكون المؤمن على بصيرة في مواجهة أي شيء، فإذا رأى أي سلوك فيه نفاق اكتشفه على الفور. واليقظة تدفع عنك الضر، ولا تمنع عنك الخير. وافرض أن واحدا قال لك: إن هذا الطريق مخوف لا تمش فيه وحدك بالليل. ثم جاء آخر وقال: إنه طريق آمن ومشينا فيه ولم يحدث شيء، فلو أنك احتطت وأخذت معك سلاحا أو رفيقا فقد استعددت للشر لتتوقاه، فهب أنه لم يحدث شيء، فما الذي خسرته؟ إنك لن تخسر شيئا. وهذه قضية منطقية فلسفية يرد بها على الذين يشككون في دين الله، مثل المنجمين، ومن يدعون الفلسفة، ويزعمون أنه لا يوجد حساب ولا حشر ولا يوم آخر، فيقول الشاعر:
زعم المنجم والطيب كلاهما
لا تحشر الأجساد قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر
أو صح قولي فالخسار عليكما
أي: إن كان كلامكم صحيحا من أنه لا يوجد بعث - والعياذ بالله - فلن أخسر شيئا لأني أعمل الأعمال الطيبة. وإن كان هناك بعث - وهو حق - فسوف ألقى الجزاء في الجنة وبذلك لم أخسر، بل كسبت. لكن افرضوا أنكم عملتم الشر كله وجاء البعث فأنتم الخاسرون. والقضية الفلسفية المنطقية هنا هي: إن لم أكسب فلن أخسر، وأنتم إن لم تخسروا فلن تكسبوا. والحق في هذه الآية يقول: ﴿ وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق.. ﴾ وكلمة ﴿ وممن حولكم ﴾ تفيد أنكم محاصرون، لا ممن حولكم فقط، بل أيضا ببعض من الموجودين بينكم في المدينة، وهم من تدربوا على النفاق حتى صارت لهم ألفة به. وهذه الآيات - كما نعلم - قد نزلت تحكي حال المنافقين. والنفاق تتعارض فيه ملكات النفس الإنسانية بأن توجد ملكة كفر في القلب، بينما توجد ملكة إيمان في اللسان، فلا يتفق اللسان مع القلب، فالذين آمنوا يوافق ما ينطقون به ما في قلوبهم، والذين كفروا وافقت قلوبهم ألسنتهم.
أما الصنف الثالث: وهم الذين نطقوا بالإيمان بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم، فهؤلاء هم المنافقون. وهو لفظ مأخوذ من " نافقاء اليربوع " وهو حيوان صحراوي يشبه الفأر، ويخدع من يريد صيده، فيجعل لبيته أو جحره عدة فجوات، فإذا طارده حيوان أو إنسان يدخل من فجوة، فيتوهم الصائد أنه سيخرج منها، ويبقى منتظرا خروجه، بينما يخرج اليربوع من فجوة أخرى، فكأنه خادع الصائد، فالصائد يظن أن للجحر بابا واحدا، ولكن الحقيقة أن للجحر أكثر من مدخل ومخرج. والنفاق بهذه الصورة فيه ظاهرتان: ظاهرة مرضية في المنافق، وظاهرة صحية في المنافق ولذلك لم ينشأ النفاق في مكة، وإنما نشأ في المدينة. ومن العجيب أن ينشأ النفاق في المدينة التي آوت الإسلام وانتشر منها، وانساح إلى الدنيا كلها، ولم يظهر في مكة التي أرادت أن تطمس الإسلام، وحارب سادتها وصناديدها الدعوة. إذن: فلا بد أن نأخذ من النفاق ظاهرتين: الظاهرة الأولى وهي الظاهرة المرضية، حيث قال الحق:
في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا...
[البقرة: 10]. أما الظاهرة الثانية فهي الظاهرة الصحية، فقد أصبح الإسلام قويا بالمدينة غيره عند بدء الدعوة في مكة. إنما ينافق القوي لأن المنافق يريد أن ينتفع بقوة القوي، كما أن المنافق يعرف أنه لن يستطيع مواجهة القوي، أو أن يقف منه موقف العداء الظاهر. إذن: فالنفاق حين يظهر، إنما يظهر في مجالات القوة، لا في مجالات الضعف، فالرجل الضعيف لا ينافقه أحد، والرجل القوي ينافقه الناس. إذن: فالنفاق ظاهرة مرضية بالنسبة للمنافق، وظاهرة صحية في المنافق. وأراد الحق سبحانه أن يكشف للمؤمنين أمر المنافقين الذين يتلصصون عليهم، أي: يتخذون مسلك اللصوص في أنهم لا يواجهون إلا في الظلام، ويحاولون أن يدخلوا من مداخل لا يراهم منها أحد، ويتلمسون تلك المداخل التي لا تظهر، ويخفون غير ما يظهرون. أما مواجهة الكافر فهي مسألة واضحة، صريحة فهو يعلن ما يبطن، ويواجهك بالعداء. وأنت تواجهه بجميع قوتك وكل تفكيرك لأنه واضح الحركة. أما المنافق الذي يظهر الإيمان وفي قلبه الكفر، فهو يتلصص عليك، وعليك أن تحتاط لمداخله لأنه ينتظر اللحظة التي يطعنك فيها من الخلف. وينبهنا الحق إلى ضرورة الاحتياط، وأن يمتلك المؤمنون الفطنة والفراسة وصدق النظر إلى الأشياء، وعدم الانخداع بمظاهر تلك الأشياء، فكشف لنا سبحانه كل أوجه النفاق كشف منافقي المدينة حيث يوجد منافقون وغير منافقين، ومنافقي الأعراب الذين يوجد بينهم منافقون وغير منافقين، وعلم الحق سبحانه المؤمنين كيف يتعرفون على المنافقين بالمظاهر التي تكشف ما يدور في صدورهم. وسبحانه القائل عن المنافقين: