9.88
أي: إياكم أن تحزنوا على هؤلاء المنافقين بسب قعودهم عن الجهاد معكم ولا تقولوا: نحن خسرناهم في قتالنا لأن الحق لا يحتاج إليهم ولا إلى جهادهم. وسبحانه القائل:
فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين
[الأنعام: 89]. ويقول سبحانه:
فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون
[فصلت: 38]. وكذلك يقول الحق سبحانه:
ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقرآء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم
[محمد: 38]. وأيضا نجد قوله الحق:
يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه...
[المائدة: 54]. إذن: فتخلف بعض أصحاب القوة والمال والجاه عن الجهاد، يجب ألا يشيع الفزع أو الحزن في نفوس المؤمنين لأن الله معهم، ولأنهم لهم الخيرات، أي: لهم كل ما يطلق عليه خير: ﴿ وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ﴾ والمفلح: هو الفائز الناجي المستفيد بثمرة عمله، وأصلها فلح الأرض أي: شقها لأن الزراعة تقتضي أن تحرث الأرض أولا، وهذه مهمة الإنسان ليخرج الزرع. والحق سبحانه وتعالى يقول:
أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون
[الواقعة: 64]. ونحن حيث نحرث الأرض نهيجها، وبدلا من أن تكون صلبة لا يدخلها هواء ولا تتخللها أشعة الشمس، تصير بعد الحرث مستقبلة للهواء وتتخللها أشعة الشمس فتخلصها من أي ماء راكد في داخلها، وبذلك يتوافر للأرض الهواء اللازم لنمو جذور النبات لأن إذا وضعت الحب في أرض غير محروثة، فالزرع لا ينبت لعدم وجود الهواء الذي تتنفس منه الجذور. ولكن إذا حرثت الأرض جعلت أشعة الشمس تتخلل ما هو تحت السطح وتبخر الماء المخزون ليدخل الهواء بدلا منه فتستطيع جذور النبات أن تنمو. إذن: فكل عمل يؤدي إلى نتيجة طيبة نسميه فلاحا. وهو مأخوذ من الأمر الحسي، الذي نراه كل يوم وهو الفلاحة. وحين يريد الحق سبحانه وتعالى أن يوضح لنا أمرا معنويا، فهو سبحانه يستحضر لنا صورة محسة من الذي نراه أمامنا حتى نستطيع أن نقرب المعنى إلى الأذهان خصوصا في الغيبيات التي لا نراها، فإذا أراد سبحانه أن يقربها إلى أذهاننا فهو يضرب لنا الأمثال بأمور حسية. والإنسان حين يفلح الأرض ويشقها ويبذر فيها الحب، تعطيه محصولا وفيرا، وكذلك فإن كل عمل يؤدي إلى نتيجة طيبة نسميه فلاحا. وعندما يحدثنا الحق سبحانه، فهو يعطينا المثل مما نراه كل يوم ليقرب إلى أذهاننا جزاء الصدقة والزكاة، ومضاعفته لنا الأجر، فيقول:
مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء...
[البقرة: 261]. فإذا كانت الحبة عندما تضعها في الأرض تنبت سبعمائة حبة، وإذا كانت الأرض، وهي مخلوقة لله، قد أعطتك عن الشيء الواحد سبعمائة ضعف، فكم يعطي خالق الأرض؟ وكم يضاعف؟ إنها صورة محسة للجزاء على الصدقة والزكاة. وأنت ساعة تزرع الأرض لا تقول: أنا أنقصت المخزون عندي كيلة من القمح أو إردبا من القمح لأنك تعلم أنك تأخذ مما عندك إردبا من القمح لتزرعه في الأرض. ولكنك لا تنظر إلى الإردب الذي أخذته من المخزون عندك، بل انظر إلى ما سوف يجيء لك من هذا الإردب ساعة الحصاد، وكذلك الزكاة: إياك أن تنظر إلى ما سينقص من مالك عندما تؤدي الزكاة، ولكن انظر إلى كم سيضاعف الله لك هذا المال. وقد ضرب الحق مثلا بشيء محس يعلمه الجميع، ومن صورة ما نراه أمامنا لنفهم ما ينتظرنا، فإذا كانت الأرض - وهي المصدر الأول للاقتيات - تلقى فيها الحبة الواحدة، فتعطي لك سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، وإذا كانت الأرض المخلوقة لله تعوضك عما وضعته فيها بسبعمائة ضعف، فكم يعطيك خالق الأرض؟ إذن: فهو سبحانه قادر أن يضاعف لمن يشاء بغير حساب. ولذلك يبشر الحق سبحانه وتعالى المؤمنين بقوله: ﴿ وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ﴾ وهذا جزاء المؤمنين في الدنيا، ولكن هناك جزاءا آخر في الآخرة. وفي هذا يبشرنا الحق سبحانه في قوله: ﴿ أعد الله لهم جنات تجري... ﴾.