تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنهم من يقول ائذن لي...

[التوبة: 49]. وقال عز وجل:

ومنهم من عاهد الله...

[التوبة: 75]. وقال سبحانه:

ومنهم من يلمزك في الصدقات...

[التوبة: 58]. ولذلك يسمونها " مناهم التوبة ". وهنا يبين الحق صورة جديدة للمنافقين وتصرفاتهم فيقول: ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي... ﴾.

9.61

ونعلم أن الإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بعد النبوة، وكان بعض الكفار يقولون ما حكاه القرآن على ألسنتهم:

اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم

[الأنفال: 32]. وهذا دعاء من لا عقل له، ولو كانوا يعقلون لقالوا: إن كان هذا الحق من عندك فاهدنا يا رب إليه، أو اجعلنا نؤمن به. ولكنهم من فرط حقدهم وضلالهم، تمنوا العذاب على الإيمان بالحق. وهذا يكشف لنا تفاهة عقول الكفار. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي ﴾ والذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم هم السادة، وهم أصحاب النفوذ الذين يخافون أن يذهب منهج هذا النبي بنفوذهم وثرواتهم وما أخذوه ظلما من الضعفاء. والضعفاء - كما نعلم - هم أول من دخل إلى دين الإسلام لأنهم أحسوا أن هذا الدين يحميهم من بطش الأغنياء واستغلالهم ونفوذهم. وشاء الحق أن يبدل خوف الضعفاء قوة وأمنا، وشاء سبحانه أن يضم إلى الإيمان عددا من الأغنياء ومن رجال القمة مثل: أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، حتى لا يقول أقوياء قريش مثلما قال قوم نوح لنبيهم:

وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا...

[هود: 27]. وهكذا كان الإيذاء له صلى الله عليه وسلم بعد الرسالة، أما قبل الرسالة فكان في نظر الجميع هو: الأمين والصادق والمؤتمن. ومن العجيب أنهم، بعد أن نزل الوحي، كانوا لا يستأمنون أحدا مثلما يستأمنون محمدا صلى الله عليه وسلم. فإذا كان هناك شيء ثمين عند الكافرين المعارضين، ذهبوا إلى رسول الله ليحفظوا هذه الأشياء الثمينة عنده. وهذا التناقض لا يفسره إلا وثوقهم في أخلاقه صلى الله عليه وسلم. ورغم ذلك كانوا في غيظ وكمد لأن القرآن قد نزل عليه. والحق هو القائل ما جاء على ألسنتهم:

وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم

[الزخرف: 31]. وهم بذلك قد اعترفوا بألسنتهم بعظمة القرآن، بعد أن اعترفوا بسلوكهم بأمانة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم اعترضوا على اختيار الحق سبحانه له، وتمنوا لو كان هذا القرآن قد نزل على أحدهم عظمائهم. ورد الحق سبحانه عليهم:

أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا...

[الزخرف: 32]. وفي هذا دعوة لأن يتأدبوا مع الله سبحانه، فهو لم يوكلهم في اختيار من ينزل عليه رحمته، ورسالته، ولكنه سبحانه هو الذي يختار. وهو الذي قسم بين العباد معيشتهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وإذا كان لأحد نعمة من مال أو جاه أو مجد، أو غير ذلك، فهذا ليس من قدرات البشر أو من ذواتهم، ولكنه نعمة من الله.

وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي ﴾ إذن: فالإيذاء سببه أنه صلى الله عليه وسلم جاء بدعوة الخير، ولا يجيء رسول بدعوة الخير إلا إذا كان الشر قد عم المجتمع. وحين يعم الشر في المجتمع فهناك مستفيدون منه، فإذا أتى رسول الله بالخير أسرع جنود الشر ليؤذوا صاحب رسالة الخير، إذن: فمن الطبيعي أن يكون للنبي أعداء. والحق سبحانه وتعالى يقول:

وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا...

[الأنعام: 112]. بل إن كل من يحمل من العلماء رسالة رسول الله ليبلغها إلى الأجيال التالية، إن لم يكن له أعداء، أنقض ذلك من حظه في ميراث النبوة، وكل من له أعداء ويقوم بهداية الناس إلى منهج الله، نقول له: لا تنزعج، واطمئن لأن معنى وجود من يعاديك، أن فيك أثرا من آثار النبوة. وتمثل إيذاء المنافقين له صلى الله عليه وسلم في عدة صور منها قولهم: ﴿ ويقولون هو أذن ﴾. وللإنسان - كما نعلم - وسائل إدراك متعددة: فالأذن وسيلة إدراك، والعين وسيلة إدراك، والجوارح كلها وسائل إدراك. وكل إنسان له ملكات متعددة، منها ملكات إدراكية وملكات نفسية، والملكات الإدراكية هي التي يدرك بها الأشياء مثل: السمع والبصر والشم والذوق. أما الملكات النفسية فهذه يوصف بها الناس. وعلى سبيل المثال: نحن نسمي الجاسوس عينا لأنه يتجسس وينقل ما يراه إلى غيره. ونسمي الرجل الذي يسمع كل حدث " أذن " ، ونسمي اللص الذي يتعدى على ماله غيره صاحب اليد الطويلة وهكذا. إذن: كل جارحة لها حاسة، والنظر والسمع والشم واللمس والذوق كلها من وسائل الإدراك الحسية التي تتكون منها الخمائر المعنوية، ثم تصبح عقائد، فوسائل الإدراك هذه تتلقى من العالم الحسي ما يعطيه لها من معلومات، وتخزنها لتتصرف بعد ذلك على أساسها، وتكون في مجموعها هي ما يعلمه الإنسان ولذلك نجد الحق سبحانه يمتن على خلقه، فيقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٢٨