9.114
فقد وعد سيدنا إبراهيم عليه السلام أباه ما ذكره القرآن:
سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا
[مريم: 47]. ﴿ حفيا ﴾ أي: أن رب إبراهيم يحبه وسيكرمه في استغفاره لأبيه. ﴿ فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ﴾ ويأتي الحق سبحانه بالحيثية الموحية، بأن إبراهيم له من صفات الخير، الكثير جدا، لدرجة أن الله خالقه يقول فيه:
إن إبراهيم كان أمة...
[النحل: 120]. أي: أن خصال الخير في إبراهيم عليه السلام لا توجد مجتمعة في إنسان واحد، ولا في اثنين ولا في ثلاثة، بل خصال الخير موزعة على الناس كلها، فهذا فيه صفة الأمانة، وثان يتحلى بالصدق، وثالث يتميز بالشهامة، ورابع موهوب في العلم، إذن: فخصال الخير دائما ينشرها الله في خلقه، حتى يوجد تكافؤ الفرص بين البشر، كالمهن، والحرف، والعبقريات، والمواهب، فلا يوجد إنسان تتكامل فيه المواهب كلها ليصبح مجمع مواهب. لكن شاء الحق أن يجمع لسيدنا إبراهيم عليه السلام خصال خير كثيرة فقال: ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ أي: فيه عليه السلام من خصال الخير التي تتفرق في الأمة. وبعد ذلك يعطينا الحيثية التي جعلت من سيدنا إبراهيم أمة، وجامعا لصفات الخير بهذا الشكل، فإن أعطاه الله أمرا فهو ينفذه بعشق، لا مجرد تكليف يريد أن ينهيه ويلقيه من على ظهره، بل هو ينفذ التكليف بعشق، واقرأ قول الله سبحانه:
وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن...
[البقرة: 124]. أي: أتى بها على التمام، فلما أتمهن أراد الله أن يكافئه، فقال:
إني جاعلك للناس إماما...
[البقرة: 124]. فهو - إذن - مأمون على أن يكون إماما للناس لأنه قدوة، أي أنه يشترك مع الناس في أنه بشر، ولكنه جاء بخصال الخير الكاملة فصار أسوة للناس، حتى لا يقول أحد: إنه فعل الخير لأنه ملك، وله طبيعة غير طبيعة البشر، لا.. إنه واحد من البشر، قال فيه الحق سبحانه:
إني جاعلك للناس إماما...
[البقرة: 124]. أي: أسوة وقدوة، والأسوة والقدوة يشترط فيها أن تكون من الجنس نفسه فلا تكون من جنس مختلف، فلا يجعل الله للبشر أسوة من الملائكة حتى لا يقول أحد: وهل أنا أستطيع أن أعمل مثل عمله؟ ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في عرض هذه القضية:
وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا
[الإسراء: 94]. فحين تعجب بعض الناس من أن ربنا قد بعث من البشر رسولا أنزل الحق هذا القول وأضاف سبحانه:
قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا
[الإسراء: 95]. فما دمتم أنتم بشر فلا بد أن يرسل لكم رسولا منكم لتحقق الأسوة، لهذا يقول الحق سبحانه:
ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون
[الأنعام: 9]. ولنر كيف أتم سيدنا إبراهيم عليه السلام بعض التكاليف بعشق، فلننظر إلى قول الحق سبحانه:
وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت...
[البقرة: 127]. ومعنى رفع القواعد أي إيجاد البعد الثالث، وهو الارتفاع لأن البيت الحرام له طول وهذا هو البعد الأول، وله عرض وهو البعد الثاني وبهما تتحدد المساحة. أما الارتفاع فبضربه في البعدين الآخرين يعطينا الحجم، وقد أقام سيدنا إبراهيم عليه السلام البعد الثالث الذي يبرز الحجم، وقد قال بعض السطحيين: إن سيدنا إبراهيم عليه السلام هو الذي بنى الكعبة، لا لم يبن الكعبة، بل رفع القواعد التي تبرز حجم الكعبة بدليل أنه حينما جاء هو وامرأته هاجر ومعها الرضيع إسماعيل عليه السلام قال:
ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم...
[إبراهيم: 37]. وهذا دليل على أن البيت كان معروفا من قبل إبراهيم عليه السلام، وقد استقرت به هاجر وطفلها إسماعيل إلى أن كبر واستطاع أن يرفع مع أبيه القواعد، ولذلك نقول: إن هناك فرقا بين " المكان " و " المكين " فالذي فعله إبراهيم هو إقامة " المكين " أي المبنى نفسه، أما المكان فقد كان معروفا. ولنفترض أنه جاء سيل على الكعبة وهدمها فإلى أي شيء سنصلي؟ إلى أن نقيم المكين. إذن: عملية البناء هذه للمكان، وليست للمكين. ويقول الحق عن البيت الحرام: