وحتى نقرب هذه المسألة إلى الذهن، سأضرب هذا المثل الحسي: هب أن واحدا معه حجر يريد أن يضربك به، وآخر يريد أن يقذفك بتفاحة، فهل تنشغل بالتقاط التفاحة أو تنشغل برد الحجر؟ إنك تنشغل أولا بدرء الضرر، ثم تقبل على جلب المنفعة. ومثال آخر: هب أنك ترى إنسانا يغرق أمامك في البحر، فهل توبخه لأنه نزل البحر دون أن يتعلم العوم؟ أم تنقذه أولا وتدفع الأذى عنه، ثم توبخه وتعاقبه بعد ذلك جزاء إهماله؟ إنك تنقذه أولا، وبذلك تكون قد قدمت الإحسان بدفع المضرة أولا، وحتى إن عاقبته فهو يتقبل منك العقاب أو النهر لأن صنيعك أنقذه من الموت. والحق يقول:
فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز...
[آل عمران: 185]. إذن: فمراحل الفوز أن يزحزح الإنسان أولا عن النار، ففي هذا سلب للمضرة، وجلب للمنفعة، وإن ظل الإنسان في موقعه لا هو في الجنة ولا هو في النار فهذا هين أيضا. وإن أدخل الجنة فهذا هو الخير كله. وإذا كانت هذه هي بعض من خصال الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿ رسول من أنفسكم ﴾ ، و ﴿ عزيز عليه ما عنتم ﴾ ، و ﴿ حريص عليكم ﴾ ، و ﴿ بالمؤمنين رءوف رحيم ﴾ ، فهذه خصال إن استوعبها الإنسان فهو يندفع إلى اتباع هذا الرسول. وقوله الحق: ﴿ بالمؤمنين رءوف رحيم ﴾ نرى فيه الوصف ب " الرءوف " والرأفة هي سلب ما يضر من الابتلاء والمشقة، و " رحيم " هو الذي يجلب ما ينفع من النعيم والارتقاء. وحسبكم من هاتين الصفتين أن الله سبحانه وتعالى وصف رسوله بهذين الوصفين ﴿ رءوف رحيم ﴾ وقد ثبت أنه سبحانه قد وصف نفسه بقوله سبحانه:
إن ربكم لرؤوف رحيم
[النحل: 7]. إذن: فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يسلك بما عنده، بل يسلك برأفة مستمدة من رأفة العلي الأعلى، وكذلك رحمته صلى الله عليه وسلم مستمدة من رحمة العلي الأعلى. وكأن الحق سبحانه يبين لنا أنه أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم بعضا من الصفات التي عنده، فكما يبلغكم المشقات في التكاليف، فهو يبلغكم السلامة من المشقات في الرأفة، وترقية المنعمات بالرحمة ولذلك يقول الحق سبحانه:
وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين
[الإسراء: 82]. ونعلم أن الشفاء إنما يكون من المرض، أي: أن القرآن يسلب المضرة أولا، ثم يأتي لنا بالمنفعة بعد ذلك وهي الرحمة. وقوله الحق: ﴿ لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ﴾ هذا القول خلاصته: إن استقبلتم مشقات التكليف من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلموا ممن جاءت هذه المشقات، واعلموا أن مجيئه بها إنما هو ليرفع عنكم مشقات أكبر وأخلد لأن مشقات التكليف تنتهي بانتهاء زمن التكليف وهو الدنيا، ثم يذهب المؤمن إلى الجنة ليحيا بلا تكليف، وما يخطر على باله من أشياء، يجده فورا بدءا من الطعام والشراب وجميع ما خلقه الله لأهل الجنة من نعيم.
وإن نظرنا إلى متع الدنيا نجد أن من اجتهدوا في حياتهم، يستأجرون من يقوم لهم بالأعمال التي كانوا يقومون بها لأنفسهم فالثري الذي كان يطهو طعامه قبل الثراء، يستأجر طاهيا ليعد له طعامه، والفلاح الذي كان يبني بيته لنفسه، ثم رزقه الله بالرزق الوفير فاستأجر من يبني له، وكل الأعمال التي تسعد الإنسان وكان يقوم بها بنفسه ولنفسه، صار يستأجر من يقوم له بها، فما بالنا بالآخرة حيث تعيش في رضا الله وبأسرار كلمة ﴿ كن ﴾. وهكذا نجد الحق سبحانه وتعالى قد جاء في هذه السورة بمشقات التكليف، والثواب عليها وطمأن المؤمنين بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يتميز بكل المواصفات الموحية: من أنه بشر، وأنه حريص عليهم، وأنه لا يكلفهم إلا بالمشقات التي تنجيهم من المشقات الأبدية، وأنه رءوف بهم ورحيم. فإن استعموا إلى هذه الحيثيات وآمنوا، فأهلا بهم في معسكر الإيمان، وإن تولوا ولم يسمعوا لهذه الحيثيات ولم يدخل القرآن قلوبهم، فإياك أن تظن - يا رسول الله - أنك منصور بهم لأنك منصور بالله، فإن تولوا عنك وأعرضوا عن الإيمان بالله، وأعرضوا عن الاستماع لك، فاعلم أن ركنك الشديد هو الله، لذلك يختم الحق السورة بقوله: ﴿ فإن تولوا فقل حسبي... ﴾.