9.47
والخبال مرض عقلي ينشأ معه اختلال موازين الفكر، فتقول: فلان مخبول، أي: أنه يحكم في القضايا بدون عقل، إذن فقوله تعالى: ﴿ ما زادوكم إلا خبالا ﴾ أي: أنهم لن يكونوا إلا مصدرا لبلبلة الأفكار لو خرجوا معكم للقتال، فلا تستطيعون اتخاذ القرار السليم. فكأنهم عين عليكم، وضدكم وليسوا معكم، وقد يكونون من عوامل الهزيمة التي لم يردها الله لكم، وليسوا من عوامل النصر، فكأن عدم خروجهم هو دفع لشر، كان سيقع لو أنهم خرجوا معكم. وشاء الحق عدم خروجهم حفاظا على قوة المؤمنين وقدرتهم على الجهاد. وقوله تعالى: ﴿ ولأوضعوا خلالكم ﴾ أي: أنهم كانوا سيحدثون فرقة بين صفوف المؤمنين ويفرقونهم، وسيتغلغلون بينهم للإفساد لأن الخلال هو الفرجة بين الشيئين أو الشخصين، فيدخل واحد منهم بين فريق من المؤمنين فيفسد، وآخر يفسد فريقا آخر، وهكذا يمشون خلال المؤمنين ليفرقوا بينهم. ولكن التساؤل: هل كانوا سيخرجون معهم أو فيهم؟ هم كانوا سيدخلون في الفرج بين المؤمنين ليبلبلوا أفكارهم. ونقول: إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، وعندما تسمع كلمة " فيكم " اعلم أنها تغلغل ظرف ومظروف ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن ما يوضح لنا الظرف والمظروف، قال الحق:
ولأصلبنكم في جذوع النخل
[طه: 71]. هل كان فرعون سيصلب السحرة في داخل الجذوع أم على الجذوع؟ وإن كان أهل اللغة قد قالوا: إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض. فإننا لا نرضى هذا الجواب لأننا إن رضيناه في أساليب البشر، لا يمكن أن نقبله في أساليب كلام الله لأن هناك معنى " في " الظرفية ومعنى آخر في استخدام حرف " على ". ولو قال الحق سبحانه وتعالى: " لأصلبنكم على جذوع النخل " ، فإن لها معنى أن يكون الصلب على الجذع أي: أنه صلب عادي، ولكن قوله تعالى: ﴿ ولأصلبنكم في جذوع النخل ﴾ معناه: أن عملية الصلب ستتم بقوة بحيث تدخل أجزاء من جسم المصلوب في المصلوب فيه، أي: أن جنود فرعون كانوا سيدقون على أجساد السحرة حتى تدخل في جذوع النخل، وتصبح هذه الأجساد وجذوع النخل وكأنها قطعة واحدة، هذه صورة لقسوة الصلب وقوته. لكن إذا قلنا: على جذوع النخل لكان المعنى أخف، ولكان الصلب أقل قسوة، فكأن القرآن الكريم قد استعمل ما يعطينا دقة المعنى. بحيث إذا تغير حرف اختل المعنى. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول في موضع آخر من القرآن الكريم:
وسارعوا إلى مغفرة من ربكم
[آل عمران: 113]. أي: أن سرعتنا في العمل الصالح تنتهي بنا إلى المغفرة، إذن: فنحن قبل أن نسرع إلى الصالح من الأعمال لم نكن في المغفرة، وعندما نسارع نصل إليها.
ثم نجد قول الحق سبحانه وتعالى أيضا:
إنهم كانوا يسارعون في الخيرات
[الأنبياء: 90]. ولم يقل: يسارعون إلى الخيرات لأن عملهم الآن خير، وهم سيسارعون فيه أي سيزيدونه إذن: إن سارعت إلى شيء كأنه لم يكن في بالك، ولكنك ستسرع إليه، ولكن سارعت في الخير، فكأنك في الخير أولا ثم تزيد في فعل الخير. وإذا تدبرنا قول الحق سبحانه: ﴿ ولأوضعوا خلالكم ﴾ نجد أن " أوضع " تعني: أسرع بدرجة بين الإبطاء والسرعة، فيقال: " أوضعت الدابة أي مشت بخطى غير بطيئة وغير سريعة في نفس الوقت، ولو نظرت إلى حالة هؤلاء المنافقين لو خرجوا مع المؤمنين للقتال، لرأيتهم وهم يزينون لهم الفساد، ويعملون على أن تصاب عقول المقاتلين بالخبل، ولوجدت أن هذا الأمر يتطلب آخر البطء وأول السرعة في الحركة، كانوا يحتاجون إلى البطء لأنهم كانوا سيهمسون في آذان المؤمنين بتزيين الباطل وهذا يقتضي بطئا، ثم ينتقل الواحد منهم إلى مؤمن ثان ليقوم معه بنفس العملية، ولا بد أن يسرع إلى التواجد بجانب المؤمن الآخر. إذن: فالحركة هنا تحتاج إلى البطء في الوسوسة وسرعة في الانتقال من مؤمن لآخر. وهذا أدق وصف ينطبق على ما كان سيحدث. ولكن ما هدف هؤلاء المنافقين من أن يضعوا الخبل في عقول المؤمنين؟ ويفرقوهم جماعات؟ الهدف: أن ينالوا من وحدتهم وقوتهم، ويقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ أي: يطلبون لكم الفتنة لأن الإنسان الشرير حين يرى خيرا يقوم به غيره، يجد الملكات الإيمانية في أعماقه تصيبه بنوع من احتقار النفس، فيحاول التقليل من شأن فاعل الخير بأن يسخر مما يفعله أو أن يستهزئ به، وهذا أوضح ما يكون في مجالس الخمر، حين يحس الجالسون في هذه المجالس بالذنب الشديد إن وجد بينهم إنسان لا يشرب الخمر، فتجدهم يحاولون أن يغروه بكل طريقه لكي يرتكب نفس الإثم، فإذا رفض أخذوا يعيرونه ويستهزئون به، ويسخرون منه، ويدعون أنه لم يبلغ مبلغ الرجال، وغير ذلك من أساليب السخرية. وأيضا تجد الكذاب يحاول دفع الناس إلى الكذب، والسارق يغري الناس بالسرقة، والمرتشي يحاول نشر الرشوة بين جميع زملائه، فإذا وجد إنسان نزيه وسط هؤلاء الذين يرتكبون هذه الألوان من السلوك السيء فهم يضطهدونه ويسخرون منه. والمثال: حين يقوم إنسان للصلاة بين عدد من تاركي الصلاة، تجدهم يحاولون السخرية منه، فهذا يقول له: خذني على جناحك، وهذا يقول له مستهزئا: يجعلنا الله من بركاتك. ويبين لنا القرآن الكريم هذه القضية ليعطينا المناعة الإيمانية فيقول: