تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.29

وهنا يعود الحق سبحانه وتعالى إلى التحدث عن القتال، ونعلم أن الذين تحدث عنهم المولى سبحانه في هذه السورة، هم المشركون وأحوالهم، والأمر بإلغاء المعاهدة معهم، وإبعاد ذواتهم عن المسجد الحرام، وتقتيل من يحاول البقاء منهم ليحض على الشرك حتى لا يجتمع في جزيرة العرب دينان. وعرفنا من قبل السبب، وأما الذين يتحدث عنهم الله في هذه الآية فهم غيرهم.. فرغم أن الحق سبحانه وتعالى أرسل لمشركي العرب محمدا صلى الله عليه وسلم وهو رسول من أنفسهم، فهم يعرفونه حق المعرفة، كما أن المعجزة التي جاء بها صلى الله عليه وسلم من جنس فصاحتهم، فإذا كذبوه فهم مخطئون، ورغم هذا فكذبوه ولم يؤمنوا به، أما خارج الجزيرة فالرسول ليس منهم، والقرآن لم ينزل بلغتهم، وكان عليهم أن يأخذوا من المنهج التطبيق المناسب. وهكذا نرى أن مصادمة الإيمان لم تكن من مشركي مكة فقط، بل كانت أيضا من بعض يهود المدينة وبعض من نصارى نجران، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد حدد في هذه السورة موقف الإيمان من المشركين به، فقد أراد أيضا أن يحدد موقف الإيمان من أهل الكتاب. ونحن نعرف أن هناك فرقا بين أهل الشرك وأهل الكتاب، فالمشركون لم يكونوا يؤمنون بالله إلها واحدا بل معه شركاء، ولكن أهل الكتاب يؤمنون بالإله ويؤمنون برسول وكتاب سماوي، وهم بذلك أقرب إلى الإيمان. ولذلك نجد القرآن الكريم يعرض لنا مثل هذه القضية كطبيعة فطرية، فنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حزن هو وصحابته حين غلبت الروم في أدنى الأرض. لماذا حزن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أن الروم سيقفون أيضا ضده؟ لقد حزن صلى الله عليه وسلم لأنهم يؤمنون أن للكون خالقا واحدا وأن له رسلا يوحي إليهم وأن له كتبا منزلة، لكن الأمر يختلف بالنسبة للمشركين، فهم يكفرون بالله وهذا قمة الكفر. صحيح أن بعضا من أهل الكتاب وقفوا مع المشركين في موقف العداء لرسول الله، لكن قلبه صلى الله عليه وسلم معهم لأنهم أهل إيمان بالقمة. ويسري الحق عن رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول:

الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون

[الروم: 1-3]. وهنا يبرز سؤال يقول: متى سيغلبون؟ تأتي الإجابة من الحق تبارك وتعالى:

في بضع سنين

[الروم: 4]. والبضع بالنسبة للزمن هو فترة تتراوح من ثلاث لتسع سنوات، ولم يحدد الحق سبحانه وتعالى البضع هنا لأن المعارك لها أوليات ونهايات، لهذا جاء قول الحق تبارك وتعالى مراعيا لما تستغرقه هذه المراحل كلها، وجاء القول بأن نصر الروم على الفرس سوف يأتي بعد بضع سنين.

وبالله قولوا لي: كيف يتحكم نبي أمي في جزيرة تسكنها أمة أمية، ولا علم لهذا الرسول بأخبار الأمم وكيف لهذا النبي أن يأتي بأخبار نصر أمة على أخرى؟ ويظل هذا الخبر في الكتاب الذي يحمل منهج رسالته قرآنا يتلى ويتعبد به إلى قيام الساعة؟ لقد قالها بثقة في حدوث ما جاء في القرآن في المستقبل القريب لأنها جاءته عن ربه، وهو واثق أن قائل هذا الخبر قادر على إنفاذ ما يقول. وإلا، فماذا كان يحدث لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ذلك ثم مر بضع سنين ولم يأت نصر الروم؟ وماذا يكون موقف الذين آمنوا به كرسول من عند الله؟ إذن: هو صلى الله عليه وسلم لم يكن ليجازف وينطقها إلا بثقة في أن القائل هو الحق سبحانه الذي شاء أن ينزل بالخبر في آية قرآنية تتلى، وتكتب، وتحفظ، ويصلى بها في كل وقت إلى أن تقوم الساعة. وينزلها سبحانه على محمد صلى الله عليه وسلم وقت أن كان ضعيفا لا يعرف ميزان القوي، ولا يعلم هل ستستعد الروم لتنتصر أم لا؟ ثم ألم يكن من الممكن أن يتصالح الروم والفرس؟ كل ذلك لم يكن في حسبان محمد صلى الله عليه وسلم لأن الخبر جاء من الله سبحانه القادر على إنفاذ ما يقول. ألم يكن هناك إخبار عن أمور خالفت النواميس؟ نعم كانت هناك أمور خارجة عن النواميس وجاء بها الخبر من الله سبحانه وتعالى.. ألم يقل زكريا عليه السلام حين بشر بالولد:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٤٩