ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة...
[الأنفال: 42]. إذن: فالحياة مقابلها الهلاك، وفي آيات أخرى يقابل الحياة الموت، فالهلاك هو الموت. فإذا قال الحق سبحانه:
كل شيء هالك إلا وجهه...
[القصص: 88]. إذن: فكل شيء قبل أن يكون هالكا كان حيا، وهكذا نعرف أن الحياة ليست هي الحس والحركة الظاهرتين، وبعد التقدم العلمي الهائل في المجاهر الدقيقة تكشفت لنا حركة وحس كائنات كنا لا نراها، وإذا كان الإنسان قد توصل بالآلات التي ابتكرها إلى إدراك ألوان كثيرة من الحياة فيما كان يعتقد أنه لا حياة فيها، إذن: فكل شي في الوجود له حياة تناسبه فلو جئت بمعدن مثلا وتركته ستجده تأكسد، أي حدث فيه تفاعل مع مواد أخرى.. فهذه حياة. بعد ذلك يقول الحق: ﴿ لقد تاب الله على النبي... ﴾.
9.117
قلنا: إن التوبة لها مراحل، فهناك توبة شرعها الله، ومجرد مشروعية التوبة من الله رحمة بالخلق، وهي أيضا رحمة بالمذنب لأن الحق سبحانه لو لم يشرع التوبة لاستشرى الإنسان في المعاصي بمجرد انحرافه مرة واحدة، وإذا استشرى في المعاصي فالمجتمع كله يشقى به، إذن: فمشروعية التوبة نفسها رحمة بمن يفعل الذنب، وبمن يقع عليه الذنب، وقبول التوبة رحمة أخرى بمن عمل الذنب. وأنت إذا سمعت قوله الحق سبحانه:
ثم تاب عليهم ليتوبوا...
[التوبة: 118]. فافهم أن تشريع التوبة إنما جاء ليتوب العباد فعلا، وبعد أن يتوبوا، يقبل الله التوبة. والحق هنا يقول: ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ وعطف على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ المهاجرين والأنصار ﴾ ، فأي شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقول الله: ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾؟! ونقول: ألم يقل الحق سبحانه له:
عفا الله عنك لم أذنت لهم...
[التوبة: 43]. فحين جاء بعض المنافقين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف عن الغزوة، فأذن لهم، مع أن الله سبحانه قال:
لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا...
[التوبة: 47]. إذن: فرسول لله صلى الله عليه وسلم كان بالفطرة السليمة قد اتخذ القرار الصائب، ولكن الحق سبحانه لا يريد ان يتبعوا فطرتهم فقط، بل أراد أن يضع تشريعا محددا. وشاء الحق سبحانه أن يخبرنا بأنه قدم العفو لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه أذن لمن استأذنه من المنافقين ألا يخرجوا إلى القتال، وهناك أشياء يأخذها الله على عبده لأن العبد قام بها ضد صالح نفسه، ومثال هذا من حياتنا ولله المثل الأعلى: أنت إذا رأيت ولدك يذاكر عشرين ساعة في اليوم فإنك تدخل عليه حجرته لتأخذ منه الكتاب أو تطفئ مصباح الحجرة، وتقول له: " قم لتنام ". وأنت في هذه الحالة إنما تعنف عليه لأنك تحبه، لا، لأنه خالف منهجا، بل لأنه أوغل في منهج وأسلوب عمل يرهق به نفسه. وحين سمح النبي صلى الله عليه وسلم لقوم أن يتخلفوا، فهل فعل ذلك ضد مصلحة الحرب أم مع مصلحة الحرب؟ إنهم لو اشتركوا في الحرب لكثر ثوابهم حتى ولو حرسوا الأمتعة أو قاموا بأي عمل، إذن: فإذنه صلى الله عليه وسلم لهم بالتخلف هو تصعيب للأمر على نفسه. ولذلك نجد أن كل عتب على نبي الله، إنما كان عتبا لصالحه لا عليه فسبحانه يقول له:
لم تحرم مآ أحل الله لك...
[التحريم: 1]. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحل ما حرم الله بل حرم على نفسه ما أحل الله له، وهذا ضد مصلحته، وكأن الحق يسائله: لماذا ترهق نفسك؟.
إذن: فهذا عتب لمصلحة النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا حين جاء ابن أم مكتوم الأعمى يسأل رسول الله في أمر من أمور الدين، وكان ذلك في حضور صناديد قريش، فالتفت صلى الله عليه وسلم إلى الصناديد وهم كافرون، يريد أن يلين قلوبهم، وترك ابن أم مكتوم فنزل القول الحق:
عبس وتولى * أن جآءه الأعمى
[عبس: 1-2]. وابن أم مكتوم جاء ليستفسر عن أمر إيماني، ولن يجادل مثلما يجادل صناديد قريش، فلماذا يختار الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر الصعب الذي يحتاج إلى جهد أكبر ليفعله؟. إذن: العتب هنا لصالح محمد صلى الله عليه وسلم، وحين يقول الحق له: