تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.73

إذن: فبعد أن ذكر الحق لنا الجنة وما فيها، وما يجعل النفس مشتاقة إلى الجنة، فهو يذكرنا بما يجب علينا أن نفعله لخدمة منهج الله - ولله المثل الأعلى - مثلما تقول لابنك: عندما تتخرج طبيبا ستكون لك عيادة كبيرة ثم مستشفى، وترتقي معه فيما ينتظره من مستقبل كبير، وتذكره بضرورة أن يجتهد في المذاكرة حتى يصل إلى ما يتمناه. وبذلك تكون قد حببته في الغاية التي سيصل إليها، ثم انتقلت لتحببه في الوسيلة التي ستوصله إلى هذه الغاية. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ والحق جل وعلا يخص رسوله صلى الله عليه وسلم بالتكريم والتعظيم، فلم يناده باسمه. بل قال: ﴿ يأيها النبي ﴾ وفي مواقع أخرى يناديه: ﴿ يأيها الرسول ﴾. ولكن النداء من الحق لباقي الأنبياء، يكون مثل قوله تعالى:

وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة...

[البقرة: 35]. وقوله تعالى:

قيل ينوح اهبط بسلام منا وبركات...

[هود: 48]. ونادى الحق إبراهيم:

يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ...

[الصافات: 104-105]. ونادى الحق موسى:

يموسى * إني أنا ربك...

[طه: 11-12]. وخاطب الحق سيدنا عيسى:

يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله...

[المائدة: 116]. فكل رسول ناداه الحق سبحانه وتعالى باسمه، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ناداه بقوله: ﴿ يأيها النبي ﴾ ، و ﴿ يأيها الرسول ﴾ تكريما للرسول عليه الصلاة والسلام، ورفعا لمقامه عند ربه. وهنا يطلب الحق من رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجاهد الكفار والمنافقين. ونحن نعلم أن السماء لا تتدخل لإرسال رسول إلا إذا فسد المجتمع فسادا عاما. ونعلم أن النفس الإنسانية فيها قد فطرت على محبة الخير، فإن لم يحكمها هواها فهي تفعل الخير وتحبه، فإن حكمها هواها ستر عنها الخير وفتح الهوى للنفس أبواب الشر. وقد يطيع الإنسان هواه في أمر من الأمور، ثم يفيق فتلومه نفسه على ما فعل، هذه هي النفس اللوامة، التي تلوم صاحبها على الشر، وتدفعه إلى الخير. ولكن هناك نفس تتوقف فيها ملكات الخير فتفعل الشر، ولا تندم عليه، ثم ترتقي النفس في الشر فتصبح أمارة بالسوء، وتأبى ألا تكتفي بفعل الشر، بل تأمر به الناس وتحببه لهم. إذن: فمراحل النفس البشرية كثيرة، فهناك النفس التي تطمئن لمنهج الله وتطيعه. وهذه هي النفس المطمئنة التي يقول فيها الحق:

يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي

[الفجر: 27-30]. وإذا وجدت النفس المطمئنة والنفس اللوامة، فاعلم أن المجتمع بخير لأن النفس المطمئنة تطيع، وتأمر بالطاعة، والنفس اللوامة تلوم صاحبها على الشر، ولكل مؤمن نقطة ضعف، فإذا ضعف مؤمن، يسرع له أخوه المؤمن ليلومه على ضعفه، ويصحح له مساره ولأن نقط الضعف مختلفة، نجد أن المجتمع يستقيم كلما وجد من يلتفت النظر إلى المنكر وينهى عنه، وهؤلاء هم الذين يقول الحق عنهم:

إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر

[العصر: 3]. ولكن عندما تصدأ النفوس جميعا، ولا يصبح هناك من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بل تجد من ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر، حينئذ لا بد أن يتدخل الحق سبحانه ليعيد للحق مكانه في الدنيا. إذن: فرب العزة لا يتدخل في حالة وجود نفوس مطمئنة تطبق منهج الله وتأمر بطاعته، أو وجود نفوس لوامة، سواء في ذات النفس البشرية أو في المجتمع تراجع من يرتكب الإثم وتلومه، ولكن إذا عم الفساد في المجتمع، ولم يصبح هناك من ينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف، وأصبح أهل الخير فيه عاجزين عن أن يفعلوا شيئا، جاءت الرسل لتعيد منهج الحق لينظم حياة هذا المجتمع. وحين يأتي الرسول فهو يعلم أنه ما أرسل إلا بعد أن عم الشر في الكون، وأن أهل الفساد هم الأغلبية، وهم أصحاب النفوذ والسلطان، وينتفعون بالفساد والانحراف المستشري في المجتمع. وهؤلاء إذا سمعوا بصيحة الحق فلن يقفوا متفرجين، بل سيحاربون كل من يحمل منهج الحق إليهم. ولا بد للرسول من أن يصمد أمامهم، وأن يجاهدهم. و " جاهد " من " فاعل " ، مثل " شارك " ، فأنت تشارك فلانا، ومثل: " قاتل " فأنت تقاتل فلانا، إذن: فلا بد أن تحدث مفاعلة بين الرسول ومن اتبعوه، وبين أئمة الكفر والفساد في المجتمع. ولا بد أن يستعد الرسول والمؤمنون بمنهجه لتحمل الإيذاء من غير المؤمنين بالمنهج لأن الكفار منتفعون بالفساد، ولكي يستمر هذا الانتفاع، لا بد أن يقف الكفار ضد حملة منهج الحق، وأن يقاوموهم ليضمنوا لأنفسهم استمرار الميزات التي يعطيها الباطل لهم. وينبه الله سبحانه وتعالى لرسوله إلى حقيقة هؤلاء الكفار المنتفعين بالفساد، وأنهم سيحاربونه. ولذلك لم يقل سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: اتحد معهم، ولكنه قال: ﴿ جاهد الكفار والمنافقين ﴾ ، أي: اصمد أمامهم في المعركة، وجاءت الكثير من الآيات التي يأمر فيها الله رسوله والمؤمنين بالصبر على الجهاد، والجهاد يقتضي المواجهة، لذلك قال سبحانه: ﴿ اصبروا ﴾. ولكن لنفرض أن عدوي صبر أيضا في الحرب، إن أنا صبرت وعدوي صبر تساوت الكفتان ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٥٨