تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.121

كل شيء - إذن - محسوب، فحتى هؤلاء الذين أنفقوا، فالله سبحانه يعلم ماذا أنفقوا وسيجازيهم عليه، وهؤلاء الذين ساروا الطريق الطويل وقطعوا الوديان ليلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته، فالله سبحانه يكتب لهم الخير. وبعد ذلك تدفق المسلمون على تنفيذ أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كادت المدينة تفرغ من المسلمين ليلحقوا بالسرايا التي يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنشر الدعوة. وجاء قول الحق: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا... ﴾.

9.122

هذه الآية جاءت عقب آيات المتخلفين عن الغزو مع رسول الله، وجاءت بعد أن بين الله سبحانه مزايا المجاهدين وما يثيبهم الله به جزاء هذا الجهاد في قوله سبحانه:

ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين * ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون

[التوبة: 120-121]. كانت تلك هي الحيثيات التي ترغب الناس في الجهاد ترغيبا يخرجهم عما ألفوا من العيش في أوطانهم وبين أهليهم وأموالهم لأن الثمن الذي يتلقونه مقابل ذلك ثمن كبير، ثم جاءت هذه الآية. وحينما استقبل العلماء هذه الآية قالوا: إنها تتمة لآيات الجهاد، وما دام الله قد رغب في الجهاد هذا الترغيب، فإن الناس أقسموا بعده ألا يتركوا غزوة من الغزوات ولا سرية من السرايا إلا ذهبوا إليها، فنشأ عن ذلك أن المدينة كادت تخلو على رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسقبل وحي الله. واستقبال وحي الله يقتضي وجود سامعين ليبلغوه، فلما انصرف الناس إلى مسألة الجهاد أراد الله أن يعدل هذه الموجة من الرغبة في الجهاد، فبين أن الإسلام منزل من الله على رسوله ليبلغه للناس لأن دين الله يحتاج إلى أمرين: أمر يحمله إلى الناس، وأمر يثبت صدقه في الناس، وحين يرى الناس إنسانا يضحي بنفسه ويدخل معركة، وآخر يضحي بماله، حينئذ يعلم الناس أن من يفعل ذلك لا بد أنه متيقن تمام التيقن من العقيدة التي يبذل في سبيلها الغالي والرخيص. لكن يبقى أمر آخر، هو ضرورة وجود من يحملون العلم بالإسلام، فإذا كان المناضلون المضحون بالنفس، والمنفقون المضحون بالمال هم دليل صدق الإيمان، فهذا لا يعني الاستغناء عن هؤلاء الذين عليهم أن يسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوحي به الله. إذن: فهناك منهج من الله، وهناك استقبال لهذا المنهج من رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا، ومن السامعين لرسول الله ثانيا ليسيحوا به في البلاد، سياحة إعلام بدين الله لنشر الإسلام، وهكذا كانت الإقامة مع رسول الله هي استقبال لذلك الإعلام، وإلا فماذا يعلمون؟ إذن: فلا بد أن يحافظ المسلمون على أمرين: أمر بقاء الاستقبال من السماء، وأمر الإعلام بما استقبلوه إلى البلاد. فإن كنتم قد انصرفتم إلى الجهاد في سبيل الله فقد حققتم أمرا واحدا، ولكنكم لم تحققوا الأمر الآخر وهو أن تظلوا لتستقبلوا من رسول الله.

فأراد الله سبحانه أن يقسم الأمرين بين مجاهدين يجاهدون للإعلام، وباقين مع رسول الله ليستقبلوا إرسال السماء لهذه الأرض، فقال: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كآفة ﴾. وساعة تسمع " كان " منفية فاعلم أنها جحود لهذه المسألة، أي: ما كان يصح أن ينفر المسلمون كافة، أي: جميعا، بدون أن يبقى منهم أحد. و ﴿ كآفة ﴾ مأخوذة من كف الشيء، وأنت تسمع خائط الثياب يقول: " أريد أن أكفف الثوب " معنى هذا أن الخائط حين يقص القماش، فهناك بعض من الخيوط تخرج منه فيكففها حتى لا يتفكك نسيج الثوب، إذن: فمعنى كلمة ﴿ كآفة ﴾: جميعا. ولنا أن نتساءل: لماذا لا ينفر المسلمون إلى الجهاد جميعا، أليس الجهاد إعلاما بمنهج الله؟ نقول: نعم هو إعلام وسياحة بمنهج الله في الأرض، ولكن الذي يسيح للإعلام بمنهج الله لا بد أن تكون عنده حصيلة يعلم بها، وهذه الحصيلة كانت تأتي في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من منهج السماء حين ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن: فلا بد من أناس يسمعون وحتى السماء ثم يعلمون به ويرسلونه لأهل الأرض جميعا، ولو انصرف كل هؤلاء المؤمنين إلى الجهاد لما تحقق أمر حمل الدعوة للإسلام لذلك قال الحق: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كآفة ﴾ وفي هذا نفي أمر فيه انبغاء أي: لهم قدرة عليه، ويستطيعون تنفيذ ما يطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم. ونحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأ في أمة عربية لها فصاحة وبلاغة، أمة بيان وأداء قوي يسحر، وكان في هذه الأمة أناس كثيرون يتمتعون بموهبة الشعر والقول، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشتهر بهذا، وحاول بعضهم أن يقلل من فصاحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنها فصاحة دون من خطب، ودون من قال، ودون من شعر، فجاء الرد عليهم من الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٤٠