تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.55

وإياكم أن تروا واحدا من هؤلاء ممن رزقهم الله المال والولد ثم تقولون: كيف يكون عذابهم في الدنيا وهم يملكون المال والولد؟ ومثل هذا التعجب يعني استحسان المال والولد، والظن أن فيهما الخير كله، لكنك إن نظرت بعمق إلى المال والولد وكل حطام الدنيا فستجده لا يستحق الإعجاب، وإياك أن تغتر بشيء يمكن أن يتركك، ويمكن أن يكون سببا في عذابك، فالمال والولد قد يجعلان الإنسان ملتفتا إلى النعمة ويلهيانه عن المنعم. وإن لم يلتفت الإنسان إلى المنعم لا يذكره. وإن لم يذكر الله أهمل منهجه. والمال والولد في الحياة الدنيا قد يكونان سببين في أن يخاف الإنسان ترك الدنيا. فإن لم يكن لك إيمان بما عند الله في الآخرة، فقد تخاف أن يتركك المال أو الولد. والذي لا يؤمن باليوم الآخر فالدنيا هي كل زمنه وإن فاتها كان ذلك مصيبة له، وإن فاتته كان ذلك مصيبة عليه. وإن آمن الإنسان بالله واليوم الآخر لقال: لئن فاتتني الدنيا فلي عند الله خير منها. ويريد الحق سبحانه أن يمنع عن المؤمنين به فتنة النعمة التي تلهي عن المنعم، فيقول سبحانه: ﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ﴾ والآية الكريمة تدلنا على أن للمال وحده إعجابا، وللأولاد وحدهم إعجابا، فمن عنده مال معجب بما عنده. ومن ليس عنده مال وعنده أولاد معجب بهم أيضا. فإذا اجتمع الاثنان معا يكون الإعجاب أكبر وأشمل. والحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم أن اجتماع المال والولد يجب ألا يثير الإعجاب في نفوسنا، بل إن سياق الآية يحذرنا من أن نعجب بمن عنده المال وحده، أو بمن عنده الأولاد وحدهم، لذلك كرر الحق سبحانه وتعالى كلمة: ﴿ لا ﴾ فقال: ﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ﴾. وأفهمنا الحق سبحانه وتعالى أنه إذا أمد الكافر أو المنافق بالمال والولد فلذلك ليس رفعة من شأنه، وإنما ليعذبه بهما في الدنيا والآخرة. فقال: ﴿ إنما يريد الله ليعذبهم بها ﴾ ، واللام هنا في " ليعذبهم " هي لام تدخل على الفعل واسمها " لام العاقبة ". وهي تعني أننا ربما نقوم بالفعل لهدف معين، ولكن قد تكون عاقبته شيئا آخر تماما غير الذي قصدناه، بل ربما تكون عكس الذي قصدناه. وعندما نقرأ القرآن نجد قول الحق سبحانه وتعالى:

فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا...

[القصص: 8]. هل التقط آل فرعون موسى عليه السلام ليكون لهم عدوا؟ أم ليكون قرة عين لهم؟ هم قد التقطوه ليكون قرة عين لهم، ولكن الذي حدث كان عكس ما قصدوه ساعة قيامهم بفعل الالتقاط، فبدلا من أن يصبح موسى قرة عين، أصبح عدوا لفرعون، بل كان سببا في زوال ملكه، إذن هذه هي لام العاقبة.

والله سبحانه وتعالى أعطى لبعض الكفار أموالا وأولادا، وهذا في ظاهره رفعة في الدنيا، ولكنهم بدلا من أن يستخدموا هذه النعمة في التقرب إلى الله ألهتهم عن الإيمان بالله، ووصل بهم الأمر إلى أن يدخلهم الحق في العذاب. ولم يرد الحق العذاب لهم، ولكنهم بحركتهم وفتنتهم بالمال والولد استحقوا أن يدخلوا في العذاب. والعمل غير الشرعي في تنمية المال أو إرضاء الأولاد هو الذي أوصلهم إلى العذاب. ﴿ إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا ﴾ وأول ألوان العذاب: أن تلهيهم تلك النعم عن المنعم. وتبعدهم عن منهج الله فيصيرون في عداء مع المؤمنين بمنهج الله، ويخافون إعلان هذا العداء لذلك حينما كان يرسل الرسول صلى الله عليه وسلم في طلب واحد من المنافقين أو اليهود كانوا يرتعدون ويتساءلون: هل اكتشف الرسول أمرنا أم كشف الله له بعض خبايانا؟ وكانوا في خوف أن يفتضح أمرهم، فيعاملهم معاملة المشركين ويشردهم. وثانيا: كانوا يخافون من أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم في حرب لأنهم ما داموا قد أعلنوا الإيمان فهم مطالبون ببذل المال، وأن يذهب أولادهم الذين بلغوا سن القتال مع جيش المسلمين، وكانوا يقولون بينهم وبين أنفسهم: ما لنا نبذل المال ونضحي بالأولاد في سبيل ما لا نؤمن به. وهم بمشاعرهم تلك يختلفون عن مشاعر المؤمنين الذين يلبون نداء رسول الله طمعا في الجنة أو النصر. وهذا لون من ألوان العذاب. وهناك لون آخر من العذاب: عندما يخرج هؤلاء المنافقون إلى إحدى الغزوات، فهم يخافون على أنفسهم من القتل أو الأذى بالأسر أو سبي النساء، فيكونون في عذاب نفسي طوال الرحلة إلى الغزوة وفي أثناء الحرب. ولون ثالث من ألوان العذاب: أن عابد المال يجمع المال من حرام ومن حلال، لا يهمه من أين جاء المال؟ ولكن يهمه أن يأتي، والذي يكسب حلالا يكون واضح الحركة في الحياة، والذي يكسب حراما هو لص يخاف أن ينكشف أمام الناس، ويعيش في عذاب أليم دائم من أن يأتي يوم يكشف الله ستره فيعرف الناس أنه ارتشى، أو أنه اختلس، أو أنه زور وزيف. أو أنه فعل شيئا يحقره في أعين الناس أو يعرضه للعقوبة كأن يكون قد تاجر في المخدرات أو في الأعراض. أو في غير ذلك، وخوفه من انكشاف أمره يجعله يعيش في عذاب دائم وصراع مستمر. وإذا أردنا أن نعرف الفرق بين الحلال والحرام نضرب هذا المثل: أنت إن أعجبك شيء في بيت جارك، وطلبته منه وأعطاك إياه، فأنت لا تخشى أن يعرف الناس ما حدث. ولكن إذا أعجبك شيء في بيت جارك وأردت أن تسرقه، فأنت لا تأتي في النهار ولا أمام الناس، بل تأتي ليلا وتحرص على ألا يراك أحد.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢١٢