9.82
والضحك هو انفعال غريزي فطري، يحدث للإنسان عندما يقابل شيئا يسره، أو أحداثا يجد فيها مفارقة لم يكن يتوقعها. أما البكاء فهو انفعال غريزي أيضا تجاه أحداث تدخل الحزن أو الشجن، وهو تذكر ما يحزن بالنسبة للإنسان. وكلتاهما ظاهرتان فطريتان، أي أنهما تحدثان بفطرة بشرية واحدة بالنسبة للناس جميعا، ولا دخل فيها للجنس أو اللون أو البيئة، فلا يوجد بكاء روسي وبكاء أمريكي، أو ضحك روسي وضحك إنجليزي، أو ضحك شرقي وضحك غربي. ذلك أن الضحك والبكاء انفعال طبيعي موحد لا تؤثر فيه البيئة ولا الثقافة ولا الجنس. وقد أسنده الحق تبارك وتعالى لنفسه. فكما قلنا: إن الله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يحيي، وهو سبحانه وحده الذي يميت. فهو سبحانه وحده الذي يضحك، وهو سبحانه وحده الذي يبكي. مصداقا لقوله تعالى:
وأنه هو أضحك وأبكى * وأنه هو أمات وأحيا * وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى
[النجم: 43-45]. ولذلك فالضحك والبكاء يأتيان بلا مقدمات، لا أقول لنفسي: سأضحك الآن فأضحك، ولا أقول: سأبكي الآن فأبكي لأن هذا انفعال غريزي لا دخل للإرادة ولا للاختيار فيه. ولكننا أحيانا نلجأ إلى التضاحك أو إلى التباكي وهو مجرد ادعاء بلا حقيقة. ويكون ظاهرا فيه الافتعال. فحين يروي لك إنسان نكتة سخيفة، والمفروض أنه قالها لتضحك، ولكنها لا تضحكك، وفي نفس الوقت أنت تريد أن تجامله فتفتعل الضحك، أي تضحك بافتعال. وكذلك البكاء فيه افتعال أيضا مثل بكاء النادبة التي تجلس وسط أهل الميت وتبكي. وقد تضع بعض نقط الجلسرين في عينيها لتفتعل الدموع، وهذا كله افتعال. أما الضحك والبكاء الحقيقي، فأمران بالفطرة يملكهما الله سبحانه وتعالى وحده. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ﴾ جاء بعد قوله: ﴿ فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله ﴾ أي: أنهم فرحوا عندما بقوا هم في المدينة، وخرج المؤمنون للجهاد. جلسوا في حدائق المدينة وهم فرحون في راحة وسرور يضحكون لأنهم يعتقدون أنهم قد فازوا بعدم اشتراكهم في الجهاد. ولكن هذا الضحك هو لفترة قليلة. وسيأتي بعدها بكاء وندم لفترة طويلة وأبدية، عندما يدخلون جهنم والعياذ بالله. ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال: ﴿ فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ﴾ ولم يقل: سيضحكون قليلا وسيبكون كثيرا، لماذا؟ نقول: عندما يسند الفعل إلى المخلوق الذي يعيش في عالم الأغيار، والمختار في عدد من أفعاله، يحتمل أن يحدث أو يجوز ألا يحدث. ولكن الحق سبحانه وتعالى حين يقول: ﴿ فليضحكوا ﴾ أي: أمر بالضحك، ثم يجيء في البكاء ويقول: ﴿ وليبكوا ﴾ أي: ابكوا والأمر بالضحك والبكاء هو أمر اختياري من الله سبحانه وتعالى، تجوز فيه الطاعة وتجوز فيه المعصية؟ إذا كان كذلك، فهل سيطيع المنافقون أمرا اختياريا لله؟ ونقول: إن ذلك أمر غير اختياري لأن الحق سبحانه هو وحده الذي يضع في النفس البشرية انفعال الضحك أو انفعال البكاء للأحداث.
وكما بينا فإن الإنسان لا يستطيع الانفعال بالضحك أو البكاء. والحق حين يقول: ﴿ فليضحكوا قليلا ﴾ معناها: أن انفعال الضحك قضاء عليهم لا بد أن يحدث. وإذا قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وليبكوا كثيرا ﴾ فلا بد أن يبكوا لأن انفعال البكاء مكتوب عليهم من الله، وكما يقولون: إن الذي يضحك أخيرا يضحك كثيرا، وكذلك الذي يبكي أخيرا يبكي كثيرا. إذن: فالأمور كلها مرهونة بالخاتمة. فقد يأتي للإنسان حادث يسره، ثم تأتيه ساعة بؤس تمحو هذا السرور كله، والعكس صحيح. وإذا كان هؤلاء المنافقون قد ضحكوا قليلا في الدنيا. فعمر كل منهم في الدنيا قليل لأنه حتى وإن عاش في الدنيا ضاحكا طوال عمره فكم سيضحك؟ أربعين سنة؟ خمسين سنة؟ إن كلا منا له في الدنيا مدة محدودة، فأنت إذا نسبت الحدث إلى الدنيا على إطلاقها فهو قليل. وإذا نسبته إلى عمرك في الدنيا فهو أقل القليل، ثم تأتي الآخرة بالخلود الطويل الذي لا ينتهي، ويكون بكاء المنافق فيه طويلا طويلا. ولذلك فلا بد لكل إنسان ان يضع مع المعصية عقوبتها، ومع الطاعة ثوابها لأن الإنسان قد يرتكب المعصية لإرضاء شهوات نفسه، وساعة ارتكاب المعصية فهو لا يستحضر العقوبة عليها، ولو أنه استحضر العقوبة لامتنع عن المعصية. فالسارق لو استحضر ساعة قيامه بالسرقة، أنه قد يضبط، وقد يحاكم وتقطع يده، لو تأكد من هذا فلن يسرق أبدا. ولكنه يقوم بالسرقة لأنه يعتقد أنه سيفلت من العقاب. وما من لص خطط لسرقة وفي باله أنه سيضبط، بل يكون متأكدا أنه سيسرق ويفلت. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: