9.26
أي: أن الله تبارك وتعالى أنزل سكينته أولا على رسوله وعلى المؤمنين الذين ثبتوا معه، ثم أنزلها على المؤمنين الذين فروا من المعركة ثم عادوا إلى القتال مرة أخرى، وقوله تعالى: ﴿ وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزآء الكافرين ﴾ [التوبة: 26]. وقد حدثونا عن أن الملائكة نزلت وثبتت المؤمنين، وألقت الرعب في قلوب الكافرين وأنزلت العذاب بهم. والذين آمنوا هم الذين شهدوا بذلك لأنهم وصفوا كائنات على جياد بلق ولم يكن عندهم مثلها. وإذا حدثنا القرآن الكريم بأن الملائكة قد نزلت وأن هناك من رآهم، فعلى الإنسان منا أن يقف موقف المؤمن، وأن يثق في القائل وهو صادق فليؤمن بما قال ولا يبحث عن الكيفية. وإن كان منكم من يقف أمام هذه المسألة فعليه ألا يقف وقفة الرافض لوجودها، ولكن وقفة الجاهل لكيفيتها لأن وجود الشيء مختلف تماما عن إدراك كيفية وجوده. وهناك أشياء كثيرة في الكون، موجودة وتزاول مهمتها، ونحن لا ندرك كيفية هذا الوجود. وليس معنى عدم إدراكنا لها أنها غير موجودة. وكل الاكتشافات التي قدمها لنا العلم المعاصر كانت موجودة. ولكننا لم نكن ندرك كيفية وجودها من قبل. فالجاذبية الأرضية كانت موجودة. لكننا لم ندرك وجودها ولا كيفية عملها، وكذلك الكهرباء كانت موجودة في الكون منذ بداية الخلق، ولكننا لم نكن ندرك وجودها حتى كشف الله تعالى لنا وجودها فاستخدمناها، والميكروبات كانت موجودة في الكون تؤدي مهمتها ولم نعرفها، حتى كشف الله لنا عنها فعرفنا وجودها وكيفية هذا الوجود، فكل هذه الأشياء كانت موجودة في كون الله منذ خلق الله الكون. ولكننا لم نكن ندرك وجودها. وعدم معرفتنا لم ينقص من هذا الوجود شيئا ولذلك إذا حدثت بشيء لا يستطيع عقلك أن يفهمه فلا تنكر وجوده لأن هناك أشياء لم نكن نعرف عنها شيئا، ثم أعطانا الله تعالى العلم فوجدنا أنها تعيش بقوانين مادية محددة. إذن: فوجود الشيء يختلف تماما عن إدراك هذا الوجود. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها ﴾ [التوبة: 26] كلمة ﴿ لم تروها ﴾ [التوبة: 26]. تعطي العذر لكل من لم ير، ويكفي أن الله قال ليكون هذا حقيقة واقعة. والحق سبحانه وتعالى يقول:
وما يعلم جنود ربك إلا هو
[المدثر: 31]. وحين كان يقال لنا: إن لله خلقا هم الجن، كما أن له خلقا آخرين هم الملائكة، والجن يروننا ونحن لا نراهم. كان البعض يقف موقف الاستنكار. وكذلك قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ".
وكان بعض الناس ينكرون هذا الكلام ويتساءلون: كيف يدخل الشيطان عروق الإنسان ويجري منها مجرى الدم؟! وعندما تقدمنا في العلم التجريبي واكتشفنا الميكروبات ورأينا من دراستها أنها تخترق الجسم وتدخل إلى الدم في العروق، هل يحس أحد بالميكروب وهو يخترق جسمه؟ هل علم أحد بالميكروب ساعة دخوله للجسم؟ طبعا لا، ولكن عندما يتوالد ويتكاثر ويبدأ تأثيره يظهر على أجسامنا نحس به، وهذا يدل على أن الميكروب بالغ الدقة مبلغا لا تحس به شعيرات الإحساس الموجودة تحت الجلد. ومن فرط دقته يخترق هذه الشعيرات أو يمر بينها ونحن لا ندري عنه شيئا، ويدخل إلى الدم ويجري في العروق ونحن لا نحس بشيء من ذلك، والدم يجري في عروق يحكمها قانون هو: أن مربع نصف القطر يوزع على الكل، ومثال ذلك ما يحدث في توزيع المياه، فنحن نأتي بماسورة رئيسية نصف قطرها ثماني بوصات وندخلها إلى قرية، تكون كمية الصب هي 8 × 8.. أي 64 بوصة مربعة، حينما نأتي لنوزعها على مواسير أخرى فرعية نأخذ منها ماسورة نصف قطرها أربع بوصات، ومنها نأخذ ماسورة نصف قطرها بوصتان، ومنها نأخذ ماسورة نصف قطرها بوصة أو نصف بوصة، المهم أن مربع أنصاف أقطار المواسير الفرعية يساوي ما تصبه الماسورة الكبيرة. وهكذا عروق الدم، فالدم يجري في شرايين واسعة وأوردة وشعيرات دقيقة.. ولكن دقة حجم الميكروب تجعله يخترق هذه الشعيرات فلا ينزل منها دم، وعندما تضيق هذه الشرايين تحدث الأمراض التي نسمع عنها، من تراكم الكوليسترول أو حدوث جلطات، فيتدخل الطب ليوسع الشرايين لأنها مواسير الدم. وهناك جراحات تجري بأشعة الليزر أو غيرها من الاكتشافات الحديثة تخترق هذه الأشعة الجلد بين الشعيرات لأنها أشعة دقيقة جدا فلا تقطع أي شعيرة ولا تسيل أي دماء. إذن: فكل ما في داخل الجسم محسوب بإرادة الله تعالى، ولكل ميكروب فترة حضانة يقضيها داخل الجسم دون أن نحس به، ثم بعد ذلك يبدأ تأثيره فيظهر المرض وتأخذ عمليات توالد الميكروب في الدم ومقاومة كرات الدم البيضاء له فترة طويلة، بينما نحن لا نحس ولا ندرك ما يحدث. فإذا كان " الميكروب " وهو من مادتك، أي: شيء له كثافة وله حجم محدد ولا تراه إلا بالميكروسكوب فتجد له شكلا مخفيا، وهو يتوالد ويتناسل وله دورة حياة، إذا كان هذا " الميكروب " لا تحس به وهو في داخل جسمك فما بالك بالشيطان الذي هو مخلوق من مادة أكثر شفافية من مادة الميكروب، هل يمكن أن تحس به إذا دخل جسدك؟ لا، وإذا كان الشيء المادي قد دخل جسدك ولم تحس به، فما بالك بالمخلوق الذي خلقه الله تعالى من مادة أشف وأخف من الطين؟ ألا يستطيع أن يدخل ويجري من ابن آدم مجرى الدم؟! فإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: