تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.41

وهكذا يفتح الحق باب الوصول إليه ليهبوا إلى نصرة الرسول ويزيل الضباب من أذهانهم، ويفتح لهم باب الوصول إليه لأنهم خلق الله وعياله، فهو سبحانه يريد منهم أن يكونوا جميعا مهديين، وأن يشاركوا في نصرة الدعوة إليه. والقتال في سبيل الله قد يكون مشقة في ظاهر الأمر، ولكنه يهب الدعوة انتشارا واستقرارا. وحين يقوم المسلمون بنصر الدعوة إلى الله، ففي هذا القيام مغفرة وتوبة، وهو رحمة من الله بهم. ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائل:

" الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة ".

ويقول الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي:

" قالت السماء: يا ربي إئذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم لأنه طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت البحار: يا رب إئذن لي أن أغرق ابن آدم لأنه طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت الأرض مثلهما ".

فماذا قال الحق سبحانه وتعالى؟ قال:

" دعوني وعبادي، لو خلقتموهم لرحمتموهم، إن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ".

وهكذا نرى رحمة الله بخلقه. وبعد أن لام الحق سبحانه المسلمين لأنهم لم يتحمسوا للجهاد، يفتح أمامهم باب التوبة فقال: ﴿ انفروا ﴾ أي: اخرجوا للقتال، وهذا أمر من الله يوقظ به سبحانه الإيمان في قلوب المسلمين، وفي الوقت نفسه يفتح أمامهم باب التوبة لتباطئهم عن الخروج للقتال في غزوة تبوك. ولذلك قال: ﴿ انفروا خفافا وثقالا ﴾ والنفرة: هي الخروج إلى شيء بمهيج عليه، والمثال: هو التباعد بين إنسان وصديق له كان بينهما ود، ثم حدث من هذا الصديق سلوك أو قول يهيج على الخروج عليه، فينفر منه الإنسان. والحق سبحانه هنا يأمر: ﴿ انفروا ﴾ والذي يهيج على النفور هو رفعة دين الله وكلمته، وحين ترفعون كلمة الله إنما يفتح لكم باب الارتفاع بها فقال: ﴿ انفروا خفافا وثقالا ﴾. والخفيف: هو الصحيح السليم القوي الذي لا تتبعه ولا ترهقه الحركة. والثقيل: هو المريض أو كبير السن. والله يريد من الجميع أن يسارعوا إلى القتال لينجوا من العذاب الأليم، وينالوا توبته ورضاه. ولكن الصحيح خفيف الحركة يمكنه أن يقاتل، فماذا يفعل المريض؟ يفعل مثلما فعل سيدنا سعيد بن المسيب وكان مريضا، إذ قالوا له: إن الله أعفاك من الخروج إلى المعركة في قوله تعالى:

ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج..

[الفتح: 17]. فقال: والله أكثر سواد المسلمين وأحرس متاعهم. ومن الممكن أن يكون المريض متميزا بالذكاء وصحة العقل، ويمكن أن يستشار في مسألة ما. وقد يكون المريض أسوة في قومه، فإذا خرج للقتال هاج قومه وخرجوا معه، ويمكن أن يكون المريض أو الضعيف حافزا للأقوياء على القتال.

فحين يرى الأقوياء المريض وهو يخرج للقتال فإنهم يخجلون أن يتخلفوا هم. واختلف العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿ انفروا خفافا وثقالا ﴾ فبعضهم قال: إن هذه إشارة إلى ذات الإنسان، فهناك ذات خفيفة وذات ثقيلة في الوزن لا تستطيع الحركة بسهولة، وقال آخرون: إن الفرد الواحد يمكن أن يكون فيه الوضعان، وقوله تعالى: ﴿ انفروا ﴾ هو أمر للجماعة، و ﴿ خفافا ﴾ جمع " خفيف " ، و ﴿ ثقالا ﴾ جمع " ثقيل " ، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة إلى آحاد. والمعنى: أن ينفر كل واحد من المسلمين سواء كان خفيفا أم ثقيلا. وسبق أن ضربنا المثل حينما يدخل الأستاذ على الطلبة ويقول: أخرجوا كتبكم، ومعنى هذا الأمر أن يخرج كل تلميذ كتابه، وإن قلت: اركبوا سياراتكم، فمعنى ذلك أن يركب كل واحد منكم سيارته. إذن: فالآية تعني: لينفر كل واحد منكم سواء كان ثقيلا أم خفيفا. ولكن: كيف يكون الإنسان ثقيلا وخفيفا في وقت واحد؟ نقول: يكون خفيفا أي: ذا نشاط للجهاد، وثقيلا أي: أنه سيدخل في مشقة تجعل المهمة ثقيلة على نفسه. والله سبحانه وتعالى يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٩١