كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا
[الكهف: 5]. وهنا في قوله: ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾ [التوبة: 29] تعني أن يؤدوها عن انكسار لا عن علو، حتى إن من يعطي لا يظن أنه يعطي عن علو، ونقول له: لا، إن اليد الآخذة هنا هي اليد العليا. ثم أراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا حيثيات قتال الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، فقال بعد ذلك: ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله... ﴾.
9.30
هذا الادعاء فيه مساس بجلال الله تعالى، فالإنسان يتخذ ولدا لعدة أسباب إما لأنه يريد أن يبقى ذكره في الدنيا بعد أن يرحل، والله سبحانه دائم الوجود وإما لكي يعينه ابنه عندما يكبر ويضعف، والله سبحانه وتعالى دائم القوة وإما ليرث ماله وما يملك، والله تبارك وتعالى يرث الأرض ومن عليها. وإما ليكون عزوة له، والله جل جلاله عزيز دائما. وهكذا تنتفي كل الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى هذا الادعاء. ولا يعقل أن يرسل الله سبحانه رسولا ليبين للناس منهج الحق فإذا به يقول للناس: إنه ابن الله. إذن فهم لم يؤمنوا الإيمان الكامل بالله. ويسوق الحق تبارك وتعالى قول كل من اليهود والنصارى: ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصرى المسيح ابن الله ﴾ [التوبة: 30]. وهكذا نجد أنهم لم ينزهوا الله وأخلوا بالإيمان الحق. ولا بد أن نعلم أن من قالوا: إن عزيرا ابن الله ليسوا هم كل اليهود، بل جماعة منهم فقط هي التي جعلت عزيرا ابنا لله لما رأى أفرادها على يديه نعمة أفاءها الله تعالى عليه، فقالوا: هذه نعمة عظيمة جدا لا يمكن أن يعطيها ربنا لشخص عادي، بل أعطاها لابنه. ذلك أن اليهود بعد سيدنا موسى عليه السلام قتلوا الأنبياء، وعاقبهم الله بأن رفع التوراة من صدور الحافظين لها، ولكن طفلا لم يعجبه مشهد قتل الأنبياء فخرج شاردا في الصحراء مهاجرا وهاربا، فقابله شخص في الطريق فسأله: لماذا أنت شارد؟ فقال: خرجت أطلب العلم. وكان هذا الشخص هو جبريل عليه السلام، فعلمه أن لله توراة، فحفظها فصار واحدا من أربعة، هم فقط من حفظوا التوراة: موسى، وعيسى، وعزير، واليسع، ولأن الكتب قديما لم تكن تكتب على ورق رقيق مثل زماننا، بل كانت تكتب على الأحجار وسعف النخيل، لذلك كان وزن التوراة يقدر بسبعين حمل بعير، وحين رجع عزير حافظا للتوراة، اندهش قومه وقالوا: لا بد أنه ابن الله لأن الله أعطاه التوراة وآثره على القوم جميعا. ونشأت جماعة من اليهود تؤمن بذلك، وكان منهم سلام بن مشكم، وشاس بن قيس، ومالك ابن الصيف، ونعمان بن أوفى. وحينما أنزل الله قوله: ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله.. ﴾ [التوبة: 30] لم ينكر اليهود المعاصرون لهذا النزول تلك المسألة ولم يكذبوها، فكأن هناك من اليهود الذين كانوا بالمدينة من كان يؤمن بذلك، وإلا لاعترضوا على هذا القول، وهذا دليل على أن ما جاء بالآية يصدق على بعضهم أو هم عالمون بأن قوما منهم قد قالوا ذلك. وكذلك قالت النصارى عن عيسى عليه السلام، فجاء قول الحق تبارك وتعالى: ﴿ وقالت النصرى المسيح ابن الله ﴾ [التوبة: 30].
ويتابع الحق: ﴿ ذلك قولهم ﴾ [التوبة: 30] فيوضح لنا سبحانه أن البنوة لله جاءت فيها مشبهة، كان يجب أن يلتفتوا إليها وينزهوا الله عن ذلك لأن الحق سبحانه وتعالى يصف عباده بأنهم عباد الله، وأن الخلق كلهم خلق الله تعالى. فالمولى سبحانه وتعالى وهو الخالق والقادر على كل شيء خلق كل الخلق من عدم ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا. ولكن الشبهة عند بعض من أتباع المسيح جاءت من أنه أوجد من دون أب، ونقول لهم: لو أن هذا الأمر جاء لكم من هذا الطريق، فكان من الأولى أن تجيء ذات الشبهة في خلق آدم لأن قصارى ما في المسيح أنه جاء من غير أب، ولكن آدم جاء من غير أب ومن غير أم، فأيهما كان أولى أن يكون ابن إله؟ ولذلك يقول القرآن الكريم: