تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.8

نلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى لم يقل كيف يكون للمشركين عهد، بل اكتفى ب " كيف " ، لأن غدرهم صار معروفا، وكانت " كيف " الأولى استفهاما عن أمر مضى. والتساؤل هنا يوضح لنا أنهم سيخونون العهد دائما، كما فعلوا في الماضي، فكأن الذي يخبر في الماضي يخبر أيضا عن المستقبل ويعلم ما يكون منهم. ويتابع المولى سبحانه وتعالى قوله: ﴿ وإن يظهروا عليكم.. ﴾ [التوبة: 8]. ومعنى " يظهروا " ، أي يتمكنوا منكم، وهم إن تمكنوا من المؤمنين لا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة، و " يرقب " من الرقيب الذي يراقب الأشياء. إذن فهم لا يراقبون بمعنى لا يراعون، أي أنهم لو تمكنوا من المؤمنين لا يراعون ذمة ولا عهدا ولا ميثاقا، بل يستبيحون كل شيء. وهذا إخبار من الحق سبحانه وتعالى عما في نفوس هؤلاء الكفار من حقد على المؤمنين. ونلاحظ أن كلمة " يرقبون " غير " ينظرون " ، وغير " يبصرون " ، وهي أيضا غير " يلمحون " وغير " يرمقون " ، مع أنها كلها تؤدي معنى الرؤية بالعين، ولكن يرقب تعني يتأمل ويتفحص باهتمام حتى لا تفوته حركة، لذلك إذا قلنا: إن فلانا يراقب فلانا، أي لا تفوته حركة من حركاته وهو ينظر لكل حركة تصدر منه. أما كلمة " نظر " فتعني رأى بجميع عينيه، وكلمة " لمح " تعني رأى بمؤخر عينيه، و " رمق " أي رأى من أعلى. وقوله سبحانه وتعالى ﴿ لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ﴾ يعني لا يراعون فيكم عهدا، ولا يمنع الواحد منهم وازع من أن يفعل أي شيء مهما كان قبيحا والمثال: أن يرفع الرجل القوي يده ليضرب طفلا صغيرا لا يتحمل ضربته، هنا يمسك أحدهم بيده ويطلب منه أن يراعي أن الطفل صغير لا يتحمل ضربته، وأنه ابن فلان قريبه، وأنهم جيران فلا يراعي هذا كله، وإنما ينهال على الطفل ضربا. وقوله سبحانه وتعالى: " إلا " هي في الأصل اللمعان أي البريق، و " إلا " أيضا هي الصوت العالي، واللمعان والصوت العالي لافتان لوسائل الإعلام الحسية، وهي الأذن والعين، والإنسان إذا عاهد عهدا فهذا العهد يصبح أمرا واضحا أمامه يلفت عيونه كما يلفتها الشيء اللامع، ويلفت أذنه كما يلفتها الصوت العالي، وسمي العهد والكلام " إلا " لأنه معلوم بالعين والأذن. هذا هو المعنى اللغوي، لكن المعنى الاصطلاحي لكلمة " إلا " هو الغصب، بأن تشد شيئا كأنك تغصبه على عدم الالتصاق بشيء آخر، ولذلك سمي سلخ جلد الشاة غصبا لأن اللحم ملتصق بالجلد، وسمي أخذ المال غصبا لأن صاحب المال متمسك بماله تمسك الشاة الحية بجلدها.

وإذا أطلق الغصب في الفقه لا ينصرف إلى المعنى اللغوي وهو اللمعان والصوت العالي، وللعلماء في هذا المعنى أكثر من رؤية، وكل واحد منهم أخذ لقطة من ال " إل " وأصله اللمعان، أل.. يؤل.. إلا، بمعنى لمع.. يلمع.. لمعا. وال " إل " أيضا هو الصوت العالي، وقال ابن عباس والضحاك رضي الله عنهما: إن " إلا " هي القرابة لأن القرابة سبب للتراحم، فأنت يعز عليك أن تخون قريبا لك لأن القرابة لا تحتاج إلى عهد، وقيل إن " إلا " هي العهد. وقال سيدنا الحسن: إن " إلا " هي الجوار وما يوجبه من حقوقه. وقال قتادة: إن " إلا " هي الحلف والتحالف. وقال أبو عميرة: إن " إلا " هو اليمين أو القسم. والمعاني كلها تلفتنا إلى وجود نوع من التراحم، بحيث لا تتملك الإنسان القسوة أو انفلات الانفعال، وليجعل الإنسان لنفسه من يقول له: " اهدأ إنه جارك أو من قوم بينهم وبين من تعاهدون صلة قرابة " لأن الذي يجعل الإنسان لا يميل إلى الشر ولا يشتري فيه ساعة يحفزه الأمر هو مراعاة الملابسات كلها، وهكذا يتدخل الحوار، ولكن قد توجد قرابة أو عهد أو قسم أو جوار ليمنع البطش بقسوة، أي إن " إلا " هو الأمر الذي يمنع الرد بقسوة على شيء قد يكون وقع خطأ. والمعنى أيضا هو عدم احترام لكل القيم عدم احترام للقرابة أو الجوار أو العهد أو القسم، فإذا تمكن رجل قوي من طفل صغير لم يراع فيه أيا من هذه الأشياء. ويريد الحق أن نعلم أن المشركين إذا تمكنوا من المؤمنين فهم لا يراعون فيهم قرابة ولا عهدا ولا حلفا ولا جوارا ولا قسما ولا أي شيء. إذن فكيف يكون للمشركين عهد؟ وهم إن تمكنوا من المؤمنين لا يراعون فيهم شيئا أبدا. ثم يضيف الحق سبحانه وتعالى قوله: ﴿ ولا ذمة.. ﴾ [التوبة: 8]. والذمة هي الوفاء بالأمانة التي ليس عليها إيصال ولا شهود، فإذا اقترض واحد مبلغا من شخص آخر إيصالا عليه بذلك المبلغ، فهذا الإيصال هو الضامن للسداد، وكذلك إن كان هناك شهود فشهادتهم تضمن الحق لصاحبه. ولكن إن لم يكن هناك إيصال ولا شهود، يصبح الأمر موكولا إلى ذمة المقترض إن شاء هذا المدين اعترف بالقرض، وإن شاء أنكره، وهناك ذمة أخرى هي التي بينك وبين نفسك، والمثال على ذلك قد تعاهد نفسك بأن تعطي فلانا كل شهر مبلغا من المال، وهذا أمر ليس فيه عهد مكتوب أو شهود لكنه متروك لذمتك، إن شئت فعلته، وإن شئت لم تفعله.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٠٥