9.51
﴿ قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا ﴾ الحديث هنا عما يصيب الإنسان أو ما يحدث له، فإن حدث للإنسان شيء يأتي منه خير، يكون بالنسبة له حسنة وإن أتى منه شر يكون من وجهة نظره سيئة، إذن فالإصابة هي التقاء هدف بغاية، إذا تحقق الهدف وجاء بخير فهو حسنة، وإن جاء بشر فهو سيئة. والمصائب نوعان: مصيبة للنفس فيها غريم، ومصيبة ليس فيها غريم، فإن اعتدى علي واحد بالضرب مثلا يصبح غريمي، وتتولد في قلبي حفيظة عليه، وغيظ منه، وأرغب في أن أرد عليه وأثأر لنفسي منه، ولكن إن مرضت مثلا فمن هو غريمي في المرض؟ لا أحد. إذن: فالمصائب نوعان نوع لي فيه غريم، ونوع لا يوجد لي غريم فيه النوع الأول الذي يكون لي فيه غريم يمتلئ قلبي عليه بالحقد، ويرغبنا الحق سبحانه وتعالى في عدم الحقد والعفو عن مثل هذا الغريم، فيقول:
والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين
[آل عمران: 134] وهنا ثلاث مراحل: الأولى كظم الغيظ، والثانية هي العفو، والثالثة هي أن تحسن فترتقي إلى مقام من يحبهم الله وهم المحسنون. وكذلك يقول الحق:
ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور
[الشورى: 43]. أي: من صبر على ما أصابه، وغفر لغريمه وعدوه، فالصبر والمغفرة من الأمور التي تحتاج إلى عزم وقوة حتى يطوع الإنسان نفسه على العفو وعدم الانتقام. أما المصائب التي ليس للإنسان فيها غريم فهي لا تحتاج إلى ذلك الجهد من النفس، وإنما تحتاج إلى صبر فقط، إذ لا حيلة للإنسان فيها. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول في هذا اللون من المصائب:
واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور
[لقمان: 17]. لأن العزم المطلوب هنا أقل، ولذلك لم تستخدم " لام التوكيد " التي جاءت في قوله تعالى:
ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور
[الشورى: 43]. ولا بد أن نلتفت إلى قول الحق سبحانه عن المشاعر البشرية حين قال:
والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين
[آل عمران: 134]. هذه الآية الكريمة تمثل مراحل ما يحدث في النفس، فالمطلوب أولا أن يكظم الإنسان غيظه، أي أن الغيظ موجود في القلب، ويتجدد كلما رأى الإنسان غريمه أمامه، ويحتاج هذا من الإنسان أن يكظم غيظه كلما رآه، ثم يرتقي المؤمن في انفعاله الإيماني، فيأتي العفو، وهذه مرحلة ثانية وهي أن يخرج الغيظ من قلبه، ويحل بدلا منه العفو. ثم تأتي المرحلة الثالثة:
والله يحب المحسنين
[آل عمران: 134]. أي: أن هذا إحسان يحبه الله ويجزي عليه، وهو أن تحسن لمن أساء إليك، فتنال حب الله، وهذا من كمال الإيمان لأن العبيد كلهم عيال الله، واضرب لنفسك المثل - ولله المثل الأعلى - هب أنك دخلت البيت، ووجدت أحد أولادك قد ضرب الثاني، فمع من يكون قلبك وأنت رب البيت؟ لا بد أن يكون قلبك مع المضروب، لذلك تربت على كتفه وتصالحه، وقد تعطيه مالا أو تشتري له شيئا لترضيه، أي أنك تحسن إليه.
وما دمنا كلنا عيال الله، فإن اجترأ عبد على عبد فظلمه فالله يقف في صف المظلوم. إذن فمن أساء إليك إنما يجعل الله إلى جانبك. أفلا يستحق في هذه الحالة أن ترد له هذه التحية بالإحسان إليه؟ إن الولد الظالم يرى أخاه المظلوم وقد انتفع بعطف أبيه، وقد يحصل الابن المظلوم على شيء يريده، والظالم في هذه الحالة إنما يحلم أن يكون هو الذي حدث عليه الاعتداء ليحصل على بعض من الخير. والحق هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يوصينا حين تأتي المصائب أن نرد على الكافرين ونقول: ﴿ قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا ﴾ وهكذا ترد المسائل كلها إلى حكمة خالق الكون ومدبر أمره فقد يحدث لي شيء أكرهه ولكنه في حقيقة الأمر يكون لصالحي، فإن ضربني أبي لأنني أهمل مذاكرتي، أيكون ذلك عقابا لي أم لصالحي؟ إن أنت نظرت إلى المستقبل والنجاح الذي سوف تحققه في الحياة إن ذاكرت، فهذا العقاب لصالحك وليس ضدك، وكذلك لا بد أن نأخذ أحداث الله في كونه بالنسبة للمؤمنين، فإن هزموا في معركة، فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتهم إلى الخير في دينهم وإلى أنهم لا بد أن يعرفوا أن النصر له أسباب وهم لم يأخذوا بها فلهذا انهزموا. ولله المثل الأعلى، فنحن نجد الأستاذ - وهو يأخذ الكراسات من التلاميذ ليصحح لهم أخطاءهم - يعاقب المخطئ منهم، وفي هذا تربية للتلاميذ. إذن: إن رأيتم مصيبة قد نزلت بنا وظننتم أنها تسيئنا فاعلموا أننا نثق فيمن أجراها، وأنه أجراها لحكمة تأديبية لنا، وأن كل شيء مكتوب لنا لا علينا، الذي كتبه وهو الحق سبحانه وتعالى هو القائل: