تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.89

وقد عرفنا من قبل أخبار الجنات والأنهار، وهنا يوضح لنا الحق الخير الذي يخلد فيه المؤمنون. ولماذا سمى الله سبحانه وتعالى جزاء الآخرة بأنه: ﴿ الفوز العظيم ﴾. ذلك لأن هناك فارقا بين الخير والفلاح في الدنيا، والفوز في الآخرة فالدنيا موقوتة بعمرك وتتمتع فيها بقدر أسبابك. إذن: ففيها فوز محدود لا يسمى فوزا عظيما. أما الآخرة فالنعمة فيها لا تفارقك، ولا تفارقها أنت، فالنعمة خالدة، وأنت خالد، وهذه النعمة - في الوقت نفسه - ليست بقدراتك أنت، بل بقدرات خالقك سبحانه وتعالى، ولا تحتاج منك أي تعب أو عمل أو اجتهاد، بل يأتيك الشيء بمجرد أن يخطر على بالك، وهذا لا يحدث إلا في الآخرة وفي الجنة وهذا هو الفوز العظيم لأنه دائم وبلا نهاية. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وجآء المعذرون من... ﴾.

9.90

والحديث هنا المنافقين الذين كانوا يعيشون حول المدينة وكانوا يسمون " الأعراب " ، وقد تحدثت الآيات السابقة عن منافقي المدينة الذين جاء فيهم قول الحق:

ومن أهل المدينة مردوا على النفاق...

[التوبة: 101]. وهنا يأتي الحديث عن المنافقين الذين كانوا يسكنون في البوادي التي حول المدينة وهم الأعراب. والحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿ المعذرون ﴾ ، وهناك " معذرون " و " معتذرون " ، والمعذرون هم المعتذرون فالمعتذر جمعه معتذرون بفتحة فوق التاء، لكن إذا وضعت الفتحة فوق العين فالحرف الذي بعدها يسكن، وعندما يسكن ما بعد العين، فهذا يعني أن هناك افتعالا. إذن: فالمعذرون أو المعتذرون هم الذين يريدون أن يتخلفوا عن القتال بأعذار مفتعلة، وهم أرادوا القعود والسكون ولم يتحركوا للقتال، وقد فعلوا ذلك دون عذر حقيقي. ويقال: " المعذرون " ، و " المعذر " ، و " أعذره " أي: أذهب عذره، مثل: " أعجم الكتاب " أي: أذهب عجمته. ويقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وجآء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ لقد كذبوا الرسول في الإيمان نفسه لأنهم لم يكلفوا أنفسهم حتى مجرد الاعتذار وتخلفوا، ولو كانوا قد صدقوا في الإيمان لما تقاعسوا عن القتال، أو لاستأذنوا رسول الله في القعود. ثم يقول الحق: ﴿ سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ﴾ والكفر - كما نعلم - هو ستر الإيمان. والمنافقون من الأعراب أظهروا الإيمان وكانت قلوبهم تمتلئ بالكفر. ويقول الحق سبحانه وتعالى:

قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم...

[الحجرات: 14]. أي أنهم يؤدون أمور الإسلام الظاهرية بينما قلوبهم لم يدخلها الإيمان. ويعرفنا الحق سبحانه بالجزاء الذي ينتظر هؤلاء المتخلفين من الأعراب فيقول: ﴿ سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ﴾ وعرفنا من قبل أن وصف العذاب في القرآن إما أن يكون أليما، وإما أن يكون مهينا، وإما أن يكون عظيما، وإما أن يكون مقيما. وأراد الحق سبحانه أن يعطي رخصة للذين لا يقدرون على القتال ولهم العذر في أن يتخلفوا عنه فقال: ﴿ ليس على الضعفآء... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٨٨