تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.103

هذه هي الصدقة غير الواجبة لأنها لو كانت الصدقة الواجبة لما احتاجت إلى أمر جديد، بل هي صدقة الكفارة. وقوله الحق: ﴿ من أموالهم ﴾ يعني أموال من اعترفوا بذنوبهم، وقد نسب الأموال وملكيتها لهم، رغم أن المال كله لله، مصداقا لقوله:

وآتوهم من مال الله الذي آتاكم...

[النور: 33]. ولكن الحق ينقله إلى خلقه تفضلا منه، وأوضح سبحانه إذا قلت لكم: أخرجوا شيئا من المال الذي وهبتكم إياه فلن أرجع فيما وهبته لكم، ولذلك إذا احتاج مؤمن شيئا من مؤمن مثله، فالحق سبحانه وتعالى يقول:

من ذا الذي يقرض الله...

[البقرة: 245]. وسبحانه واهب المال وهو يحترم هبته لصاحب المال. وقوله: ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ لاحظ فيه العلماء أن المال حين يضاف إلى صاحبه فهو تطمين له، حتى يتحرك في الحياة حركة فوق ما يحتاج، ويبقى له شيء يتموله، وبذلك يحرص الإنسان على الحركة التي ينتفع بها الغير، وإن لم يقصد. فيوضح له الحق: اطمئن إلى أن كل شيء سيزيد عن حاجتك يصبح ملكا لك، ولا يخرج المال عن ملكية صاحبه إلا إذا كان صاحبه غير أهل للتصرف، مصداقا لقوله الحق:

ولا تؤتوا السفهآء أموالكم...

[النساء: 5]. لأن السفيه لا يصح أن يتملك لأنه بالحمق قد يضيع كل شيء، فينزل الحق الحكم: إن مال السفيه الذي يملكه ليس ماله إنما هو مالكم. ولكن إلى متى؟ فيأتي القول الحق:

فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم...

[النساء: 6]. أي: ردوا إليهم أموالهم متى عادوا إلى الرشد وصاروا أهلا للملكية. والحق في هذه الآية يقول: ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ﴾ والله سبحانه وتعالى هو صاحب المال، وهو يأتي بالمال، بالأسباب التي جعلها للبشر في حركة الحياة، وأمنهم على عرقهم، وأمنهم على ما يملكون حتى لا يزهد أحد في الحركة فلو أخذ كل واحد من حركته على قدر نفسه، ولم يتملك المال لضن الناس بالحركة. وإذا ضن الناس بالحركة فلن يستفيد غير القادرين على الحركة، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل ما يزيد على حاجات الناس ملكا لهم لأن النفس تحب أن تتملك، والتملك أمر غريزي في النفس بدليل أن الله سبحانه وتعالى هو الذي طلب أن يؤخذ من الأموال، وأوضح أنه يضاعفها له، ومعنى أنه يضاعفها عنده أنه ينمي فيه غريزة التملك. وقوله الحق: ﴿ خذ من أموالهم ﴾ نلحظ فيه أن الأموال أضيفت لأصحابها، ما لم يكن فيهم سفه في التصرف أو عدم رشد بأن يكون وارث المال قاصرا لا يقدر على التصرف فيه، فأوضح لنا سبحانه: لا تعتبروا مال السفيه ولا مال القاصر ماله، ولكن ليرعى الوصي المال باعتبار أنه ماله هو، وحذر سبحانه الوصي: إياك أن تتعدى في ملكية هذا المال لأن الذي جعله مالك، إنما جعل الملكية من أجل القيامة على المال، ولأجل هو أن يبلغ القاصر رشده، أو يرجع السفيه إلى عقله.

ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التي جعل الله لكم قياما...

[النساء: 5]. فإياك أيها الوصي، أن تظن أن الله قد أعطى لك هذا المال، بل جعل لك حق القيام عليه فقط، ثم يقول سبحانه: ﴿ فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ ولم يقل: " فادفعوا إليهم أموالكم " وإلا كان الأمر صعبا على الناس. وهنا ملحظية لحظها العلماء رضي الله عنهم، وهو أن المال إذا كان فيه حق معلوم للسائل والمحروم، فلا يصح أن ينسب الإنسان المال كله لنفسه لأن له شركاء فيه هما السائل والمحروم، فالمال - إذن - ملكية صاحبه باستثناء حق السائل والمحروم. وفي آية أخرى قال الحق:

والذين في أموالهم حق معلوم * للسآئل والمحروم

[المعارج: 24-25]. و " الحق المعلوم " هو الزكاة المفترضة من نصاب معلوم بقدر معلوم، وأما الأمر الثاني فهو حق أيضا، ولكن الذي يوجبه ويحدده هو صاحب المال على نفسه، وهو التطوع، ولذلك لم يقل: حق معلوم كما في سورة الذاريات:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٠٧