تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.60

وعندما تسمع كلمة ﴿ إنما ﴾ فافهم أنه يراد بها القصر، فإن قلت: إنما الرجل زيد، أي: أنك قصرت الرجولة على زيد. وإن قلت: إنما الكريم حاتم، تكون قد قصرت الكرم على حاتم. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ إنما الصدقت ﴾ معناها: أن الصدقات محصورة في هؤلاء ولا تتعداهم. فمن هم هؤلاء الذين حصر الحق سبحانه وتعالى فيهم الصدقة؟ وما المراد هنا بالصدقة؟ هل هي صدقة التطوع أو الزكاة؟ نقول: ما دام الحق سبحانه وتعالى قد حدد لها مصارف فهي الزكاة، ولسائل أن يسأل: لماذا لم يقل الحق سبحانه وتعالى الزكاة وقال الصدقة؟ ونقول: ألا ترى - في المجتمعات غير الإيمانية الملحدة - أن من الناس من يفكرون في إنشاء مؤسسات اجتماعية لرعاية الفقراء؟ إن عطف الإنسان على أخيه الإنسان هو أمر غريزي خلقه الله فينا جميعا، ولذلك كان يجب أن نفهم أن الزكاة صدقة، ولو لم يشرعها الله لكان يجب أن يقدمها الإنسان لأخيه الإنسان. وحوادث الكون كلها تدل على صدق وصف الحق سبحانه وتعالى للزكاة بأنها صدقة لأنها تأتي تطوعا من غير المؤمن وغير الملتزم بالتشريع، ويحس القادر بالسعادة وهو يعطي لغير القادر، وهي غريزة وضعها الله في خلقه ليخفف من الشقاء في الكون. وهنا يقول الحق: ﴿ إنما الصدقت للفقرآء والمسكين ﴾ وقد احتار العلماء في ذلك، فقال بعضهم: إن الفقير هو الذي لا يجد شيئا فهو معدم. والمسكين هو من يملك شيئا ولكنه لا يكفيه، وعلى هذا يكون المسكين أحسن حالا من الفقير، واستندوا في ذلك إلى نص قرآني في قوله تعالى:

أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر...

[الكهف: 79]. وما دام هؤلاء المساكين يملكون سفينة إذن فعندهم شيء يملكونه. ولكن العائد الذي تأتي به السفينة لا يكفيهم. ولكن بعض العلماء قالوا عكس ذلك، ورأوا أن المسكين هو من لا يملك شيئا مطلقا، والفقير هو الذي يجد الكفاف. وعلى هذا يكون الفقير أحسن حالا من المسكين، ولا أعتقد أن الدخول في هذا الجدل له فائدة لأن الله أعطى الاثنين.. الفقير والمسكين. وكلمة " فقير " معناها الذي أتعبت الحياة فقار ظهره أي فقرات ظهره، وحاله يغني للتعبير عنه، والمسكين هو الذي أذهلته المسكنة. ثم يأتي بعد ذلك: ﴿ والعاملين عليها ﴾ أي: الذين يقومون بجمع الصدقات ويأخذونها ممن يعطيها ويضعونها في بيت المال، ونلاحظ هنا أن ﴿ والعاملين عليها ﴾ جاءت مطلقة فلم تحدد هل يستحق الصدقة من كان يجمعها وهو فقير، أو من كان يجمعها وهو غير محتاج. ونقول: إن جمع الصدقة عمل، ولو قلنا: إن غير المحتاج ويعمل في جمع الصدقة لا يجب أن يأخذ أجرا، هنا يصبح عمله لونا من التفضل، وما دام العمل تفضلا فلن يكون بنفس الكفاءة التي يعمل بها، إذا كان العمل بالأجر.

وأيضا حتى لا يحرم المجتمع من جامع صدقة ذكي نشيط لأنه غير محتاج، ولكن نعطيه أجرا ليكون مسئولا عن عمله، والمسئولية لا تأتي إلا إذا ارتبطت بالأجر. والعامل على جمع الصدقة إنما يعمل لصالح الدولة الإيمانية، فهو يجمع الصدقات ويعطيها للحاكم أو الوالي الذي يوزعها. وفي هذا مصلحة لمجتمع المسلمين كله. خصوصا إن كانت الصدقة توزع من بيت المال فلا يتعالى أحد على أحد، ولا يذل أحد أمام أحد، وفي هذا حفظ لكرامة المؤمنين لأن من يأخذ من غير بيت المال سيعاني من انكسار يده السفلى. ومن يعطي لغير بيت المال قد يكون في عطائه لون من تعالى صاحب اليد العليا، وكذلك فإن أولاد الفقير لن يروا أباهم وهو ذاهب إلى رجل غني ليأخذ منه الصدقة ويصاب بالذلة والانكسار. ولا يرى أولاد الغني هذا الفقير وهو يأتي إلى أبيهم ليأخذ منه الصدقة فيتعالون على أبناء الفقير. فإن أخذ الفقراء الصدقة من بيت المال، كان ذلك صيانة لكرامة الجميع، وإن حدث خلاف بين غني وفقير فلن يقول الغني للفقير: أنا أعطيك كذا وكذا، أو يقول أولاد الغني لأولاد الفقير: لولا أبونا لمتم جوعا. إذن: فقد أراد الحق سبحانه بهذا النظام أن يمنع طغيان المعطي، ويمنع - أيضا - ذلة السؤال، فالكل يذهب إلى بيت المال ليأخذ أو يعطي. وحين يذهب الفقير ليأخذ من بيت المال بأمر من الوالي فلا غضاضة لأن كل المحكومين تحت ولايته مسئولون منه. ثم يأتي الحق إلى فئة أخرى فيقول: ﴿ والمؤلفة قلوبهم ﴾ وهم من يريد الإسلام أن يستميلهم، أو على الأقل أن يكفوا آذاهم عن المسلمين. وكان المسلمون في الزمن الأول للإسلام ضعافا لا يقدرون على حماية أنفسهم. وعندما أعز الله دولة المسلمين بالقوة والعزة والمكانة، منع الخليفة عمر بن الخطاب إعطاء المؤلفة قلوبهم نصيبا من الزكاة لأنه لم يجد أن قوة الإسلام تحتاج أحدا غير صحيحي الإيمان لذلك لم يدخلهم عمر بن الخطاب في فئات الزكاة. وقول الحق سبحانه: ﴿ والمؤلفة قلوبهم ﴾ يثير سؤالا: هل يؤلف القلب؟. نقول: نعم، فالإحسان يؤلف قلب الإنسان السوي، وكذلك يؤلف جوارح الإنسان غير السوي، فلا يعتدى على من أحسن إليه باللسان أو باليد. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وفي الرقاب ﴾ ومعناها العبيد الذين أسروا في حرب مشروعة. وكانت تصفية الرق من أهداف الإسلام لذلك جعل من مصارف الزكاة تحرير العبيد. وبعض من الناس يدعون أن الإسلام جاء بالرق وأقره. ونقول: لم يأت الإسلام بالرق لأن الرق كان موجودا قبيل البعثة المحمدية، وجاء الإسلام بالعتق ليصفي الرق، فجعل من فك الرقبة كفارة لبعض الذنوب.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٢١