وهديناه النجدين
[البلد: 10]. أما دلالة المعونة: فهي التي يقول فيها المولى عز وجل:
والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم
[محمد: 17]. وما يكشف لنا أن الهداية عامة، أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن قوم ثمود وهم الذين بعث الله إليهم أخاهم صالحا، قال سبحانه:
وأما ثمود فهديناهم..
[فصلت: 17]. ولو كانت الهداية هنا بمعنى أنهم أصبحوا مهتدين، وسلكوا سبيل الإيمان ما قال الله سبحانه بعدها:
فاستحبوا العمى على الهدى..
[فصلت: 17]. إذن ﴿ فهديناهم ﴾ في هذه الآية الكريمة معناها دللناهم على طريق الإيمان ولكنهم اختاروا طريق العمى والكفر. ويقول المولى سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿ الذين آمنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم... ﴾.
9.20
وفي سورة الأنفال تصنيف آخر في قوله تعالى:
والذين آمنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم
[الأنفال: 74]. وفي هذه الآية الكريمة من سورة الأنفال كان تصنيف المؤمنين بعد الهجرة مباشرة، وانتهت الهجرة وأصبح الجميع سواء، فجاء التصنيف الجامع في آية التوبة. لقد أوضح المولى سبحانه وتعالى أن هذه الأعمال لم تكن مقبولة من المشركين، أما إن قام بها المؤمنون فلهم درجة عند الله. وفي هذه الآية الكريمة يصفهم الحق بأنهم ﴿ أعظم درجة ﴾ ، و ﴿ أعظم ﴾ صيغة أفعل التفضيل، وهي تعطي قدرا زائدا عن الأصل المعترف به، فيقال: فلان أعلم من فلان. وبهذا يكون الشخص الثاني عالما، ولكن الشخص الأول أعلم منه. ويقال: فلان أكرم من فلان، أي أن الموصوف الثاني كريم، والموصوف الأول أكرم منه. والله سبحانه وتعالى أراد أن يبين لنا الفوز عنده، فقال: ﴿ أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون ﴾ [التوبة: 20]. فهؤلاء هم الذين يحصلون على أكبر الأجر عند الله تعالى، وهم المؤمنون المهاجرون، والمجاهدون بأموالهم وأنفسهم، والفوز حكم يؤدي إلى أن تأخذ ما تحبه نفسك. فقال الحق موضحا ما يفوزون به: ﴿ الذين آمنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون ﴾ [التوبة: 20]. وما دام هؤلاء هم الفائزون، فالفوز إنما يكون في مضمارين اثنين. فالذين يصنعون أمورا خاصة بالدنيا قد يفوزون فيها بدرجة من النعيم، ولكن نعيمهم على قدر إمكاناتهم وهو نعيم غير دائم لأنه إما أن يزول عنهم بذهاب النعمة، وإما أن يزولوا هم عنه بالموت، إذن فهو نعيم ناقص. أما الذي يؤمن ويهاجر ويجاهد ويعمل لآخرته، فسوف يفوز بنعيم لا على قدر إمكاناته، ولكن على قدر إمكانات الله، ولا مقارنة بين إمكانات الله وإمكانات خلقه. وفوق ذلك فهو نعيم دائم لا يتركك فيزول عنك، ولا تتركه لأنك في الجنة خالد لا تموت. ثم يذكر الحق بعد ذلك قوله تعالى: ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنت... ﴾.