[الكهف: 103-104]. إذن: فالتفقه يكون للدعوة تبشيرا وإنذارا حتى يتجنب القوم ما يضرهم. ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿ يأيها الذين آمنوا قاتلوا... ﴾.
9.123
ينقلنا الحق هنا إلى الحديث عن الجهاد مرة أخرى. ولنا أن نتساءل: لماذا - إذن - جاء الحديث عن النفرة والفقه كفاصل بين حديث متصل عن الجهاد؟ أجيب: شاء سبحانه هنا أن يعلمنا أن كل من ينفر لتعلم الفقه، وليعلم غيره هذا المسلم في حاجة إلى مرحلة التعلم، ومعرفة الأسباب التي يقاتل من أجلها المسلمون وحيثيات الجهاد في سبيل الله. وقد قسم الحق سبحانه الناس في آيات الجهاد إلى قسمين: فرقة تنفر، وطائفة منها تبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا استوى الأمر، فرقة تجاهد، وفرقة تتعلم وتعلم، وتتبادل الفرقتان الخبرة الإيمانية والقتالية، تصبح الملكات الإيمانية متساندة غير متعاندة، ومن بعد ذلك يتجهون إلى الكفار. ﴿ يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم ﴾ وهذا يعني أن هناك قوما قريبين منهم ما زالوا كافرين، وهناك قوم أبعد منهم، والحق قد قال:
وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة...
[التوبة: 36]. إذن: فهناك أولويات في القتال، وقتال الكفار القريبين منك فيه تأمين لمعسكر الإيمان لذلك جاء الأمر بقتال الأقرب لأنه قتال لن يتطلب رواحل ولا مؤونة للسفر البعيد، كما أن العدو القريب منك أنت أعلم بحاله أكثر من علمك بحال الكفار البعيدين عنك لذلك فأنت تعلم مواطن قوتهم وضعفهم، وكيفية تحصيناتهم. فإذا تيسر أمر قتال العدو الأقرب كان ذلك طريقا لمجابهة العدو الأبعد، بدلا من أن تواجه العدو البعيد فيتفق مع العدو القريب، ويصنع الاثنان حولك " كماشة " بلغة الحرب، فلا بد أن تحمي ظهرك أولا، من شر العدو الأقرب. إذن: فلا تعارض بين محاربة العدو البعيد والعدو القريب. ولا تعارض بين قوله الحق: ﴿ قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ﴾ وقوله سبحانه: ﴿ وقاتلوا المشركين كآفة ﴾ لأن معنى ﴿ كآفة ﴾ أي: جميعا، ولكن الجماعة لها أولوية. فخذ القريب منك لتضمه إليك، ومتى ضممته إليك نقصت أرضا من عدوك، وأصبح زائدا فيك، فإذا كان الخصم معه سيف ومعك سيف، وبعد ذلك دخلت المعركة فأوقعت سيفه من يده فأخذته فبذلك يصبح معك سيفان وهو لا سيف معه. ولذلك يوضح الحق سبحانه وتعالى للكفار: اعتبروا أيها الكفار، فأنتم لا ترون الأرض كل يوم وهي تنقص من تحت أقدامكم، وما ينقص من أرض الكفار يزيد في أرض الإيمان. وما دام الحق قد جاء بكلمة " قتال " فهذه الكلمة تحتاج إلى عزيمة، وجرأة تجرىء على القتال، وصبر عليه، فقد تجد في مواجهتك من هو أقوى منك أو من هو أشجع منك، فإن رأى شجاعة منك تفوق شجاعته، وأحس منك قوة ومثابرة تفوق قوته ومثابرته، فهذا ينزع من قلبه الأمل في الانتصار عليك ولذلك يقول الحق: ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ والغلظة صفة، ويقال: غلظة، وغلظة، وغلظة، والمعروف أنها الشدة، فحين تضرب عدوك اضربه بقوة، وبجرأة، وبشجاعة.
وحين يحاول عدوك أن يضربك استقبل الضربة بتحمل، وهكذا نجد أن الغلظة مطلوبة في حالتين اثنتين في حالة الإرسال منك، وفي حالة الاستقبال منه، فلا يكفي أن تضرب عدوك ضربة قوية، وحين يرد لك الضربة تخور وتضعف. إن الحق يطلب منك غلظة تحمل على عدوك، وغلظة تتحمل من عدوك. ولذلك نجد آية آل عمران يقول فيها الحق:
اصبروا...
[آل عمران: 200]. ولكن هب أن عدوك يصبر أيضا، فيأتي الأمر من الحق:
وصابروا...
[آل عمران: 200]. أي: حاول أن تغلبه في الصبر. وحذر الحق من إلقاء السلاح بعد انتهاء المعركة لأن العدو قد يستنيم المؤمن لذلك جاء الأمر من الحق:
ورابطوا...
[آل عمران: 200]. أي: استقر أيها المؤمن في الأرض ليعلم العدو أنك تنتظره إن حاول الكرة من جديد أو حدثته نفسه بالقتال مرة أخرى. إذن: فالغلظة تطلب منك أن تهاجم، وتطلب منك أن تتحمل، والتحمل يقتضي صبرا، والتحامل يقتضي شجاعة، فإذا ما كان في خصمك صبر وشجاعة فعليك أن تصابره أي: تصبر أكثر منه، وهي مأخوذه في الأصل من " نافس فلان فلانا.. أي سابقه وحاول أن يسبقه " ، والمنافسة من النفس، والحق يقول: