9.63
إذا سمعت ﴿ ألم ﴾ ، فافهم أن هذا استنكار، كأن وسائل العلم قد تقدمت، وكان من الواجب أن تعلم. فإذا قلت لإنسان: ألم تعلم أنه حدث كذا وكذا؟ فمعنى ذلك أنه قد أعلن عن هذا الحادث عدة مرات، ومع ذلك لم يعلمه. وهذا استنكار لتخلف هذا الإنسان عن العلم. وهنا يستنكر الحق عدم علم المنافقين بقضية أعلنها الله مرات ومرات، وكان يجب أن يعلموها وألا تزول عن خواطرهم أبدا. وسبق أن قلنا: إن الاستفهام فيه نفي، والهمزة همزة استفهام. ولم تأت للنفي، وإذا دخلت همزة الاستفهام على النفي يكون استنكارا. فإن قلت لإنسان: ألم أكرمك؟ كأنك أكرمته عدة مرات وهو منكر لذلك. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ألم يعلموا ﴾ هو إقامة للحجة على أن الحكم قد بلغهم لأنه من الجائز أن يقولوا: إن الحكم لم يبلغنا، فيوضح لهم الحق: بل بلغكم الحكم وقد أعلمتكم به عدة مرات. ﴿ ألم يعلموا أنه من يحادد الله ﴾ ما معنى يحادد؟ نجد في الريف أن أهل الريف يضعون علامات من الحديد تفصل بين قطعة أرض وأخرى مجاورة لها، كعلامة على الشيء الذي يفصل بين حق وحق ويسمونها حدا، والذين يحادون الله هم الذين يجعلون الله في جانب وهم في جانب، وبذلك لا يعيشون في معية الله ولا ينعمون بنعمة الإيمان به سبحانه ولا يطبقون منهجه. بل يجعلون حدا بينهم وبين ما أمر به الله. وعندما أراد العلماء تفسير هذه الآية قالوا: ﴿ يحادد ﴾ تعني: يعادي، وقالوا: بمعنى يشاقق أي: يجعل نفسه في شق والله ورسوله ودينه في شق آخر. أو: يحارب دين الله فيكون هو في وجهة ودين الله في وجهة أخرى. وهناك علاقة بين كلمة " يحارب " وكلمة " حد " ، فحد السيف هو الجزء القاطع منه الذي يفصل أي شيء يقطعه إلى جزءين، فكأن الذي يحادد هو من يحارب منهج الله ورسوله. فهو لا يكفر بالله فقط، ولكنه يحمل السلاح ليجعل خلق الله يكفرون أيضا. والحق سبحانه وتعالى يريد من المؤمنين أن يكونوا دائما في جانب الإيمان، وألا يقيموا حدا بينهم وبين الإيمان به. والأحكام الشرعية تسمى حدودا، أي: أن كل حكم قد وضع ليحدد حدا من حدود الله، تحفظ به الحقوق والأوامر. ومنهج الله إما أن يكون أوامر، وإما أن يكون نواهي لأن منهج الدين كله في " افعل " و " لا تفعل " ، ويضع الحق سبحانه وتعالى عقابا لمن يتعدى حدوده سبحانه، فيقول سبحانه:
تلك حدود الله فلا تقربوها...
[البقرة: 187]. ويقول:
تلك حدود الله فلا تعتدوها...
[البقرة: 229]. ويسأل بعض الناس: ما الفرق بين اللفظين ﴿ تعتدوها ﴾ و ﴿ تقربوها ﴾.
ونقول إذا كانت هناك أوامر فلا تتعد الأمر، وإذا كانت هناك نواه فلا تقترب من المنهى عنه. ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى حين نهى آدم وحواء عن الأكل من الشجرة المحرمة لم يقل: لا تأكلا من الشجرة، بل قال:
فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة...
[الأعراف: 19]. وبذلك أباح سبحانه الأكل من كل ثمار الجنة، ولكنه أمر ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ لأن القرب من هذه الشجرة إغراء بالمعصية فقد يعجبهما منظر الثمرة. وقد تغريهما رائحتها، وقد يفتنهما لونها. ولكن عندما لا يقتربان من هذه المغريات كلها فهما يحميان نفسيهما من المعصية. وعندما تكلم الحق سبحانه وتعالى عن الخمر قال:
إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه...
[المائدة: 90]. والحق لم يقل: لا تشربوا الخمر، ولكن أمر باجتناب الخمر، أي: لا تقرب أي مكان فيه خمر لأن وجود الإنسان في مكان فيه خمر قد يوحي إليه بتناولها. وقد يجد من الجالسين من يحاول إغراء من لا يشرب بأن يتناول ولو جرعة. إذن: فالحق سبحانه يريد أن يقي النفس المؤمنة من أن تغرى بالمعصية فتقع فيها. ويقول سبحانه في أدب الاعتكاف:
ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله...