تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون

[الزخرف: 44]. فهو نبي الله للعالم أجمع ومن العرب ومن قريش، وكان يجب أن يفرحوا برسالته وأن يؤيدوها، لكن الله لم يشأ ذلك لأن قريشا قبيلة قد ألفت السيادة على العرب، وهذا جعل العرب يعملون لها حسابا، وخافت منها كل قبائل العرب في أنحاء الجزيرة العربية، وكانت لها مهابة هائلة لأن كل العرب مضطرون للحج إلى الكعبة، وأثناء الحج تكون القبائل كلها في أرض قريش لذلك كانت كل القبائل ترعى قوافل قريش، ولا تتعرض أي قبيلة لقريش أبدا، فقوافلها تروح وتغدو، جنوبا وشمالا، ولا تقدر قبيلة أن تقف في مواجهة قريش، أو أن تتعرض لها. وكل هذه المكانة وتلك المهابة أخذتها قريش من خدمتها لبيت الله الحرام ولذلك شاء الحق ألا يمكن أبرهة من هدم البيت لتظل السيادة لقريش، فلو انهدم البيت الحرام وانصرف الحج إلى اليمن كما كان يريد أبرهة، فمن أين تأتي السيادة لقريش؟ لذلك قال الحق عن أبرهة وقومه:

فجعلهم كعصف مأكول

[الفيل: 5]. وأتبعها بقوله:

لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف

[قريش: 1-2]. وما دام الحق سبحانه قد شاء هذا فيأتي أمره في الآية التالية:

فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف

[قريش: 3-4]. وشاء الحق سبحانه أن يبعث بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا يدعو أولا الصناديد، والقبيلة ذات المهابة والمكانة، وأن تكون الصيحة الإيمانية في آذان سادة الجزيرة الذين تهابهم كل القبائل، حتى لا يقال: إن محمدا قد استضعف قلة من الناس وأعلن دعوته بينهم، لا، بل جاءت دعوته في آذان الصناديد، والسادة، وسفه أحلامهم، وحين رفضوا دعوته هاجر، ثم جاءه الإذن بقتالهم، ولم تأت نصرة الإسلام من السادة، بل آمن به الضعاف أولا، ثم هاجر إلى المدينة لتأتي منها النصرة.

فلو أن النصرة جاءت من السادة لقالوا: جاءت نصرة الإسلام من قوم ألفوا السيادة، ولما ظهر واحد منهم يقول: إنه رسول أرادوا أن يسودوا به، لا الجزيرة العربية، بل الدنيا كلها، فتكون العصبية لمحمد هي التي خلقت الإيمان بمحمد، والله يريد أن تكون النصرة من الضعيف حتى يفهم الجميع أن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم هو السبب في العصبية لمحمد. هكذا نفهم معنى: ﴿ لقد جآءكم رسول ﴾ أي: مرسل من الله و ﴿ من أنفسكم ﴾ بكل ما تعنيه مراحل النفس، وهو مبلغ عن الله، فلم يأت بشيء من عنده، بل كل البلاغ الذي جاء به من ربه، والرب بإقراركم هو الذي خلق لكم ما تنتفعون به من السماوات والأرض. وسبحانه يقول:

ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله...

[الزخرف: 87]. ويقول:

ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله...

[لقمان: 25]. إذن: فالمخلوق هو الخليفة الإنسان، وما خلقه الله في الكون، إنما خلقه لخدمتكم كلكم، وأنتم تقرون ذلك، فإذا كان الرب قد سبق لكم بهذه النعم، وجاء الرسول الذي جاء لكم من عنده بما يسعدكم، وقد استقبلتم خيره قبل أن يأتي لكم بالتكاليف، واستقبلتم نعمته قبل أن تكونوا مخاطبين له، إذن: فالله الذي أرسل رسوله بالتكاليف والمنهج لكم، لا بد أن يكون قد كلف من هو مؤتمن عليكم، وهو صلى الله عليه وسلم لم يأت من جنس الملائكة، بل هو بشر مثلكم، فإذا قال لكم: افعلوا كذا وكذا وأنا أسوة لكم في الفعل، فلا تتعجبوا، لكن غبار الكافرين بالله جعلهم يريدون أن يكون الرسول ملكا، فقال الحق:

وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا * قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا

[الإسراء: 94-95]. أي: إن كنتم تريدون ملكا، فالملك له صورة لا ترونها، ولا بد أن نجعله ملكا في صورة بشر ليخاطبكم، إذن: فهل المشكلة مشكلة هيئة وشكل؟ ثم إن الملائكة بحكم الخلق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٥٢