أو أن المعنى هو الأمر الثاني الذي لا قتال فيه، بل يتناول أمر استقبال الرسول صلى الله عليه وسلم لطائفة من كل بلد ليسمعوا منه صلى الله عليه وسلم، وقد سماها الحق " نفرة " لأنها جهاد في البحث في المنهج وتعلمه، وهي نفرة النفرة لأن النفرة للجهاد بالقتال تتطلب فهما لحيثيات الدفاع عن هذا المنهج المنزل من الله. وقوله الحق: ﴿ فلولا نفر من كل فرقة ﴾ علمنا منه أن الفرقة هي الجماعة، والجماعة إما أن تنقسم إلى أفراد وإما إلى طوائف، والفرقة أقلها ثلاثة لأنها جمع. وحينما يذهب اثنان من هذه الفرقة للتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعودان للبلاغ عنه صلى الله عليه وسلم نكون أمام خبر من شاهدين اثنين بأن النبي قال كذا وأبلغ بكذا، وكذلك قد يصح أن يكون المبلغ عن الرسول شاهدا واحدا، واختلف العلماء المسلمون فيما بينهم، هل يأخذون الخبر عن واحد فقط مبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا بد من الأخذ بالخبر من شاهدين اثنين؟ وقد جاءت الآية صريحة في أنه ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ﴾ والفرقة أقلها ثلاثة، والطائفة إما أن تكون اثنين وإما أن تكون شخصا واحدا يرجع إلى قومه ليفقههم في الدين، ويؤدي البلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتحفظ البعض على ذلك بأن قالوا: إن الذي نفر ليس فردا من الفرقة، بل طائفة من الفرقة، ومفردات الفرقة طوائف لا واحد، وكلمة طائفة مقصود بها الجماعة. والنفرة لها علة محددة يذكرها الحق: ﴿ ليتفقهوا في الدين ﴾ فالتفقه إذن هو سبب النفرة، مثلما نبعث بعثة في أي بلد متقدم لنأخذ بعلوم الحضارة، فإن خرج واحد عن حدود البعثة ليلعب، ويلهو، فهو لم يحقق النفرة. لا بد إذن من أن يستوعب كل واحد في البعثة أنه قد جاء للتفقه. والفقه في اللغة: هو الفهم، ويقال عن أي أمر تفهمه: فقهت الأمر الفلاني. فإن فهمت في الهندسة فهذا فقه، وإن فهمت في العلوم فهذا فقه، ولكن المعنى الذي غلب هو الفقه لأحكام الله لأن هذا الأمر هو أهم أمور الحياة، فالفقيه في الدين هو من يبين للناس حدود المنهج ب " افعل " و " لا تفعل ". إذن: الفقه مطلقا هو الفهم، لكنه أصبح مصطلحا يعني فهم أحكام الله لأنه هو الذي يحدد الصواب والخطأ. ولا يقال: " الفقيه " إلا لمن فقه. وهناك فرق بين فقه وفقه. فقه في دين الله، أي: أصبح الفقه عنده ملكه، وساعة تسأله في أي موضوع لا يتردد، بل يجيب لأن الفقه صار ملكه عنده، والملكة: الصفة التي ترسخ في النفس من مزاولة أي عمل فيسهل أداء هذا العمل.
وكذلك الفقه. وهكذا نعرف أن معنى فقه: " فهم شيئا ". أما فقه فمعناها: صار الفقه عنده ملكة. وقوله الحق: ﴿ ليتفقهوا ﴾ أي: ليعلموا أحكام الله، ويصير هذا العلم: من بعد ذلك ملكة عندهم. ولكن ماذا إن نفروا لشيء آخر مثلما ينفر واحد من البدو ليسأل جماعته: إلى أين تذهبون؟ فيجيبون: نذهب إلى رسول الله لنسمع منه، فيذهب معهم. لكنه لا يسمع بل يذهب هنا أو هناك، ولا يجلس لتفقه العلم، على الرغم من أن علة نفوره مع غيره هي التفقه في الدين وليعلم حقائق هذا الدين لينذر به قومه حين يعود إليهم، فالفقيه لا يطلب جاها، أو رئاسة، أو وظيفة، بل هو يبين للناس متطلبات الحركة على هذا المنهج الحق، ولينذرهم ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ أي: يتجنبون ما يضرهم. وحين ندقق في هذا الأمر نجده عدة مراحل: ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ﴾ هذه هي المرحلة الأولى، ثم ﴿ ليتفقهوا في الدين ﴾ هذه هي المرحلة الثانية وهي التفقه، أما الثالثة فهي ﴿ ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ﴾ ، ومن تفقه لغير هذا ليشار إليه بالبنان مثلا نقول له: أنت من الذين قال الله فيهم:
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا