تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي ذلك فليتنافس المتنافسون

[المطففين: 26]. أي: تنافسوا في الخير، ونحن نعلم أن تركيبة النفس الإنسانية تحتاج إلى شيء مرة أو مرتين في اليوم، وتحتاج إلى شيء آخر خمس أو ست مرات في اليوم. وتحتاج إلى شيء ثالث دائما. فأنت في الأكل تأكل ثلاث وجبات، وفي الشراب تحتاج إلى لترين أو أربعة من الماء أو أكثر. أما التنفس فأنت لا تصبر على الانقطاع عنه، وهو أهم الضروريات لحياة الإنسان. وقلنا قديما: إن من رحمة الله سبحانه وتعالى أنه قد يملك إنسان طعام إنسان، وقد يستطيع الإنسان الصبر عن الطعام لأسابيع، ولا يصبر الإنسان عن انقطاع الماء إلا أياما تتراوح من ثلاثة إلى عشرة، حسب كمية المياه التي في جسمه لذلك لم يملك الحق سبحانه الماء مثلما ملك الطعام، وأما الهواء فأنت لا تصبر على افتقاده للحظات ولذلك لم يملك الله الهواء لأحد أبدا، وكأنه سبحانه علم أن عباده غير مأمونين على بعضهم البعض، ولذلك سمي استنشاق الهواء وزفيره بالتنفس، وهو من النفس، وهو سبب وجود النفس وهي مزيج من المادة والروح، والأساس هو نفس الهواء الذي يضمن استمرار النفس في الحياة. وإذا ما نافست العدو فأنت تصطاد الشيء النفيس، وهو إعلاء منهج الله. وحين تصابر أهل الباطل، فكل واحد من أهل الباطل قد يصابر لجاجة لمدة قصيرة ثم يتراجع لأن الباطل زهوق، وهنا يقول سبحانه: ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ أي: غلظة تحمل بها على العدو، وغلظة تتحمل من العدو، وأن تصبر، وتصابر، وترابط.

وكيف يطلب الله منا أن تكون لنا غلظة عليهم مع أنه قال لرسوله صلى الله عليه وسلم:

ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك...

[آل عمران: 159]. فإن هذا ينفي الغلظة، وأقول: لنفرق بين أمرين، أمر الغلظة في أن تكون الحجة قوية، وأمر الغلظة التي يتطلبها القتال، أما المعايشة والمآكلة والملاطفة، فهذه تحتاج إلى لين ورقة. وقوله الحق: ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ يفيد أن الغلظة ليست صفة دائمة، بل تعني أنك إن تطلب الأمر فيجب أن تتوافر فيك، وكذلك قلنا: إن الله لم يطبع المؤمن على الغلظة، ولم يطبعه على الشدة، ولم يطبعه على العزة، بل قال:

أشدآء على الكفار رحمآء بينهم...

[الفتح: 29]. وقال:

أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين...

[المائدة: 54]. وينهي الحق الآية: ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾. إياك أن تفهم أنك تواجه أعداءك من الكفار بعددك وعدتك، ولكن العدد والعدة أمران مطلوبان لتدخل المعركة، وعندك شيء من الاطمئنان. ومثال هذا من يسلك مفاوز أو صحارى مقفرة أو طريقا موحشا، ويحتمل أن يصادف قطاع طريق، نجده يستعد بحمل سلاح فهو يعطيه شيئا من الاطمئنان فقط، وهكذا الحال مع العدد والعدة. أما النصر فهو من المدد الرباني من الحق سبحانه وتعالى. وما دام الله مع المتقين، ولله معية مع المتقين فلا بد أن يمدهم بمدده لذلك جاء الحق هنا بقوله: ﴿ أن الله مع المتقين ﴾ لننتبه إلى أن الداخل في الحق هو من سيسلك سلوكا غليظا مع الأعداء، وقد يسلك بالغلظة طمعا في المغنم، فيدخل على الكافر بالقسوة، وقد يكون قلب هذا الكافر مستعدا للإيمان، فيقول: أسلمت واستسلمت، لكن من دخل عليه تعجبه مطية هذا الكافر، ويعتبرها مغنما. لذلك يأتي التحذير في قول الحق سبحانه: ﴿ أن الله مع المتقين ﴾ فإن سلم لك واستسلم فاستأسره، وإياك أن تؤذيه أو تأخذ معداته على أنها مغنم، فأنت لم تذهب للقتال من أجل الغنائم، أو لتكسب مكانة في مجتمعك كمقاتل، بل أنت تقاتل حين يكون القتال مطلوبا، وتسلك بالخلق الإيماني اللائق في إطار أنك من المتقين لله، وتحارب لتكون كلمة الله هي العليا وهنا تكون معيه الله لك ﴿ أن الله مع المتقين ﴾. إذن: فالغلظة لا تعني أنها طبع أصبح فيك، ولكن عدوك يجد فيك غلظة إن احتاج الأمر إلى غلظة. فإن لم يحتج الأمر إلى غلظة فلا بد أن يوجد في طبعك اللين والموادعة. ولذلك يقولون: الرجل كل الرجل هو من كانت له في الحرب شجاعة، وفي السلم وداعة، وخيركم من كان في الجيش كميا وفي البيت صبيا، فلا يصطحب غلظته مع العدو إلى البيت والزوجة والأبناء لأن ذلك وضع للطاقة في غير مجالها. هكذا نفهم قوله الحق: ﴿ يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ [التوبة: 123]. أي: كونوا في حربكم غلاظا بما يناسب الموقف لأن الحرب تتطلب القسوة والشدة، ولكن إياك أن تستعمل هذه الأمور لصالحك، ولكن استعملها لله لتضمن أن تكون في معية الله ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿ وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٤٥