تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا...

[النور: 12]. ومثل قوله:

لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء...

[النور: 13]. ومثلها أيضا " لوما " مثل قوله الحق:

لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين

[الحجر: 7]. وأيضا قولك: " هلا ". فهي أيضا تحضيض مثل قولنا: " هلا ذاكرت دروسك "؟ وأنت بذلك تستفهم ب هل، وجئت بالمد لتصبح هلا لتحثه على المذاكرة. أو قولك: " هلا أكرمت فلانا؟ " وفي هذا حث على أن تكرم فلانا. والأسلوب هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يجمع المؤمنين ويقول لهم: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كآفة ﴾ ثم يأتي الحث على أن ينقسموا إلى قسمين في قوله: ﴿ فلولا نفر من كل فرقة ﴾ ، والقسمان يذهب أحدهما للإعلام وللجهاد. والقسم الثاني يظل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستقبل منهج السماء. وقوله الحق: ﴿ فلولا نفر من كل فرقة ﴾ فيه كلمة ﴿ نفر ﴾ وهي من النفور. لكنها استعملت دائما في مسألة الخروج للحرب، مثل قوله الحق:

ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحيوة الدنيا من الآخرة فما متاع الحيوة الدنيا في الآخرة إلا قليل * إلا تنفروا...

[التوبة: 38-39]. ولماذا يجيء الحق بالنفرة في الجهاد؟ نقول: لأن الذي يعوق الإنسان عن الجهاد حبه لدعته، ولراحته، ولسعادته بمكانه، وبأهله، وبماله، فإذا ما خرج للقتال شق ذلك على نفسه، ولذلك يقول الحق:

كتب عليكم القتال وهو كره لكم...

[البقرة: 216]. وفي ذكر أمر الكره إنصاف لهم، فصحيح أن القتال أمر صعب ويكرهه الإنسان، لكن الحق قد كتبه، والمسلم إذا استحضر الجزاء عليه فهو يحتقر ما يتركه لأنه قليل بالنسبة لعطاء الله لذلك ينفر المؤمن الحق من الذي يملكه، ويذهب للثواب الأعلى، وهذا هو معنى التحديد في أنهم سموا الجهاد نفرة، فحين يقارن المؤمن بين حصيلة ما يأخذه من الجهاد وما يمسكه عن الجهاد لتساءل: ما الذي يجعلني أتمسك بالأقل ما دام هناك عطاء أكثر؟ فلما جاءت ﴿ فلولا نفر ﴾ فهموا أن هذه الآية من تتمة الكلام عن الجهاد، ولتبقى طائفة من المؤمنين لتسمع من رسول الله الوحي، وقد يتساءل المسلم حين يقرأ الآية ويجد قوله الحق: ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين ﴾ ، هنا يقول المسلم لنفسه: وهل تنفر الطائفة التي تتفقه في الدين، إنها الفرقة الباقية والمستقرة مع رسول الله في المدينة؟ ونجيب: إن قوله الحق: ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ﴾ نجد فيه كلمة ﴿ فرقة ﴾ وهي الجماعة، والجماعة إنما تنقسم إلى طوائف. مثلما نسمي في الجيوش " الفرقة الأولى " و " الفرقة الثانية " و " الفرقة الثالثة " ، ثم نقسم الفرقة الواحدة إلى: " جماعة الاستطلاع " و " جماعة التموين " و " الشئون المعنوية " ، ونجد كلمة ﴿ طآئفة ﴾ وهي تعني " بعض الكثرة ".

وما دام الحق قد قال: ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ﴾ فهذا يعني أنه سبحانه قسمهم إلى طائفتين، إحداهما تنفر، والأخرى تبقى لتتفقه في الدين. إذن: فكأن أسلوب القرآن أسلوب أدائي كل ينفر لمهمته. ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ﴾ يبين أن طائفة منهم تكون قتالية والأخرى إعلامية مهمتها ﴿ ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ﴾ فمن يجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستمع إليه، فهو يجهز للمقاتل حيثيات ما يجاهد على مقتضاه، وحين يرجع المقاتلون يبلغهم من جلس مع الرسول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم من وحي، ويتناوب المسلمون الجلوس مع الرسول في المدينة، والقتال، وكل طائفة تؤدي مهمتها. وهناك من العلماء من رأى رأيا آخر، وأخذ المسألة كلها مكتملة على بعضها، وقال: إن من بقي مع رسول الله له لون آخر من المجاهدة، ولأنه يأخذ من الرسول صلى الله عليه وسلم علما جديدا، يتبادله مع المقاتلين في ساحة القتال بعد أن يعودوا، فالمقاتلون في ساحة الجهاد يعودون بما يؤكد نصرة الله للقلة على الكثرة، وإمداد الله سبحانه للمؤمنين بالملائكة، وتهدم العدو، والمعجزات التي رأوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم كنبوع الماء من بين أصابعه في حال قلة المياه عند العطش. ثم إنهم يسمعون من المجاهدين الجالسين لتلقي العلم أخبار الوحي والفقه، وهكذا يتكافأ المؤمنون في المهام، وكأنهم البنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. وما تقدم هو فهم للآية إذا كانت خاصة بالجهاد، فماذا إذا كان للآية موضوع آخر غير الجهاد؟ نقول: إن الجهاد إعلام بمنهج الله في الأرض، والإعلام بمنهج الله في الأرض يقتضي المنهج المعلوم من السماء الذي يوضح مصير المجاهدين، ومصير المتخلفين. وهو هنا سبحانه يوضح أمر استقبال ما نجاهد من أجله. ﴿ فلولا نفر من كل فرقة ﴾ أي: يذهب بعض المسلمين إلى البلاد التي حول المدينة ليقولوا للناس حقيقة الإسلام، وأيضا أن يأتي آخرون من البلاد الأخرى ليعلموا أمر الدين، ويعلموه لأهاليهم. ويكون قول الحق: ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ﴾ مقصود به هؤلاء الذين يأتون من الأماكن البعيدة عن المدينة ليجلسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمعوا، ويتفقهوا في الدين ليرجعوا إلى مجتمعاتهم، ويعلموهم أمور الإيمان. إذن: فالآية إما أن تكون من تتمة آيات الجهاد، وإما أن تكون أمرا مستقلا للذين يبعد بهم المكان عن منبع المنهج، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو صلى الله عليه وسلم يعلم من يأتون إليه من أي مجتمع ليرجعوا بعد ذلك لقومهم، ويبلغوهم مطلوبات المنهج، وهذه مسألة بعيدة عن القتال. إذن: تكون النفرة للتفقه في الدين على أي معنى، ليس هناك فرق بين الطائفة الباقية التي تتفقه لتعلم الطائفة التي تجاهد، أو الطائفة التي تجاهد تتفقه بالمعجزات وبالأحداث التي حدثت أثناء قتالهم وتعلمها للطائفة التي لم تخرج للقتال.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٤٢