وما علمناه الشعر وما ينبغي له...
[يس: 69]. أي: أنه صلى الله عليه وسلم كان يستطيع أن يتفوق في ذلك، لكن الحق سبحانه لم يعلمه الشعر لأنه لا ينبغي له أن يتعلمه، لماذا؟ لأن العرب يعلمون أن أعذب الشعر أكذبه، وما دام أعذبه أكذبه، فالحق سبحانه لا يريد أن يعلم الناس أن محمدا صلى الله عليه وسلم مرتاض على صناعة البيان وأساليب الأدب، وبعد ذلك يفاجئ الدنيا بالبيان الأعلى في القرآن، ويعلن صلى الله عليه وسلم أن هذا البيان ليس من عنده. وقد عاش الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم مدة طويلة، ولم يسمعوا منه شعرا، فكل ما جاء به بلاغا عن الله لا ينسب لمحمد، ولكنه منسوب إلى رب محمد. وقوله الحق:
وما ينبغي له
[يس: 69] أي: لا يصح أن يكون الأمر، رغم استعداد محمد صلى الله عليه وسلم لذلك، وكان من الممكن أن يعلمه ربه الشعر وفنون القول ولذلك حينما قال أناس: إن القرآن من عند محمد، جاء القول الحق مبلغا محمدا:
فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون
[يونس: 16]. وقد عاش بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين عاما ولم يقل قصيدة أو مقالة. ومن الذي يستطيع أن يؤخر عبقريته إلى الأربعين؟ نحن نعلم أن ميعاد بدء العبقرية إنما يظهر من قبل العشرين، أي: في العقد الثاني من العمر، ولا أحد يؤخر ظهور عبقريته. إذن: فرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما نزل عليه القرآن بالترغيب في الجهاد كادت المدينة تخلو من المسلمين فجاء قوله الحق: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ﴾ [التوبة: 122]. وفي هذا القول الكريم محافظة على أمرين أمر استقبال وحي الله، وأمر الإعلام به، وبذلك يتنوع الجهاد، طائفة تستقبل، وطائفة تعلم وترسل لأنهم لو تركوا الرسول صلى الله عليه وسلم جميعا، فكيف يصل الوحي من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المؤمنين؟ ولو أنهم جلسوا جميعا في المدينة فمن الذي يسيح في الأرض معلما الناس؟ أما إذا بقي الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه، في فترة لا قتال فيها، فهذا أمر مختلف لأنها ستكون فترة استقبال فقط. وكذلك إن خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القتال فعلى المؤمنين القادرين على القتال أن يصحبوه لأن الرسول القادر على استقبال الوحي من الله موجود معهم، وكذلك الإعلام بالرسالة موجود. إذن: فالمشكلة كانت في حالة عدم وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الخارجين للجهاد، فإذا ما خرج المقاتلون للجهاد، وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فعليهم أن ينقسموا قسمين: قسما يبقى مع رسول الله ليتعلم منهج الله، وقسما يخرج إلى القتال. حين كان الرسول يخرج إلى القتال فالمهمة تسمى غزوة، وإذا لم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسل جماعة للقتال سميت العملية ب " السرية ". ولم يخرج عن التسمية بالسرية إلا عملية واحدة سميت غزوة ولم يخرج فيها رسول الله، وكان المفروض أن تسمى سرية ولكنها سميت غزوة. وقد خرجت المهمة عن اصطلاح السرية إلى اصطلاح الغزوة، رغم أن رسول الله لم يحضرها لأن المعركة حدث فيها أشياء كالتي تحدث في الغزوات، فقد كانت معركة حاسمة وقتل فيها عدد من المسلمين، وحمل الراية مقاتل واستشهد فحملها غيره وقتل، فحملها ثالث، وكانت المعركة حامية الوطيس فقالوا: لا يمكن أن نسمي تلك المعركة ب " السرية " بل هي غزوة لأن فيها عنفا شديدا.
لم يلحظوا شيئا واحدا وهو أن التسمية بالغزوة انطبقت تمام الانطباق على مؤتة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المدينة والمسلمون خارجون للغزو وأرسل إلى القوات: إن مات فلان في القتال فيليه فلان، وإن مات فلان ففلان يخلفه، أي: أنه صلى الله عليه وسلم قد سلسل أمور الغزوة قبل أن تبدأ. وهي الحملة القتالية الوحيدة التي خرجت بهذه التعليمات، من بين مثيلاتها، من الحملات المحددة التي لم يخرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المقاتلين، وكأنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم مقدما بمن سيموت من هؤلاء الخارجين إلى القتال. ثم وصلت الحملة إلى موقعها ودار القتال، وكان الرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة والتفت الصحابة فسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم قال: أخذ الراية فلان فقتل، ثم أخذها بعده فلان فقتل. ثم قال: وأخذها بعده فلان، وكان صلى الله عليه وسلم يقص المعركة وهو في المدينة فقالوا: لم يقل ذلك إلا لأنه شهد. وحينما عاد المقاتلون عرف الصحابة منهم أن الأمر قد دار كما رواه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المدينة، وقد حدث مطابقا غاية التطابق، فقالوا: شهدها رسول الله وما دام قد شهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي غزوة. ونعود إلى الآية التي يقول فيها الحق: ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين... ﴾ [التوبة: 122]. وساعة تسمع كلمة " لولا " فلك أن تعرف أن في اللغة ألفاظا قريبة من بعضها، ف " لو " و " لولا " و " لوما " و " هلا " ، هي - إذن - ألفاظ واردة في اللغة، وإذا سمعت كلمة " لو " فهذا يعني أن هناك حكما بامتناع شيئين. شيء امتنع لامتناع شيء، مثل قولك: " لو كان عندك زيد لجئتك " وهنا يمتنع مجيئك لامتناع مجيء زيد، فكلمة " لو " حرف امتناع لامتناع، وتقول: لو جئتني في بيتي لأكرمتك. إذن: فأنا لم أكرمك لأنك لم تأت. وتقول: " لولا زيد عندك لجئتك " أي: أنه قد امتنع مجيئي لك لوجود زيد. إذن: ف " لولا " حرف امتناع لوجود. ونلحظ أن " لولا " هنا جاء بعدها اسم هو " زيد " ، فماذا إن جاء بعدها فعل، مثل قولك: " لولا فعلت كذا "؟ هنا يكون في القول حض على الفعل، مثل قوله الحق: