تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات...

[التحريم: 5]. إذن: ﴿ سائحات ﴾ هنا مقصود بها سياحة الاعتبار، أو السياحة التي تكون في صحبة الزوج الذي يضرب في الأرض. وقيل أيضا: إن السياحة أطلقت على " الصيام " لأن السياحة تخرجك عما ألفت من إقامة في وطن ومال وأهل، والصيام يخرجك عما ألفت من طعام وشراب وشهوة. إذن: القدر المشترك بين الرجال والنساء هو في سياحة الاعتبار وسياحة الصوم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ الراكعون الساجدون ﴾ أي: المقيمون للصلاة، وقد جاء بمظهرين فقط من مظاهر الصلاة، مع أن الصلاة قيام وقعود وركوع وسجود لأن الركوع والسجود هما الأمران المختصان بالصلاة، وأما القيام فقد يكون في غير الصلاة، وكذلك القعود. إذن: فالخاصيتان هما ركوع وسجود والحق يقول:

يمريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين

[آل عمران: 43]. أي: صلي مع المصلين، وهكذا نجد أن الركوع والسجود هما الأمران اللذان يختصان بالحركة في الصلاة. ثم يقول سبحانه: ﴿ الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ﴾ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو حيثية تخص الأمة المحمدية لتكون خير أمة أخرجت للناس، فالحق سبحانه يقول:

كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر...

[آل عمران: 110]. فإذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، فلا بد أن تكون بمنأى عن هذا المنكر فليس معقولا أن تنهى عن شيء أنت مزاول له.

إذن: فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صلاح أو هدى متعد من النفس إلى الغير، بعد أن تكون النفس قد استوفت حظها منه. ويقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تعرف المعروف الذي تأمر به، وأن تعرف المنكر الذي تنهى عنه لذلك لا بد أن تكون من أهل الاختصاص في معرفة أحكام الله، ومعرفة حدود الله حلا وحرمة، أما أن يأتي أي إنسان ليدخل نفسه في الأمر ويقول: أنا آمر بمعروف وأنا أنهى عن منكر، هنا نقول له: لا تجعل الدين، ولا تجعل التقوى في مرتبة أقل من المهن التي لا بد أن يزاولها أهل فكر ومتخصصون فيها. ثم يقول سبحانه: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ و " الحدود " جمع " حد " وتأتي الحدود في القرآن على معنيين: المعنى الأول هو المحافظة على الأوامر، وتلك التي يردفها الحق بقوله:

تلك حدود الله فلا تعتدوها...

[البقرة: 229]. وكل أمر يقول فيه ذلك هو حد الله فلا تتعد هذا الحد، أما المعنى الثاني: فهو البعد عن المنهيات فلا يقول لك: لا تتعداها، بل يقول سبحانه:

تلك حدود الله فلا تقربوها...

[البقرة: 187]. وينهى الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ أي: بشر هؤلاء الذين يسلكون هذا السلوك مطابقا لما اعتقدوه من اليقين والإيمان، لا هؤلاء المنافقين الذين قد يصلون أو يصومون ظاهرا. وكلمة ﴿ وبشر ﴾ و " استبشر " و " البشرى " و " البشير " كلها مادة تدل على الخبر السار الذي يجعل في النفس انبساطا وسرورا بحيث إذا رأيت وجه الإنسان وجدته وجها متهللا تفيض بشرته بالسرور. وبعد ذلك يتكلم الحق عن أمر شغل بال المؤمنين الذين كان لهم آباء على الكفر ومن حقوق هذه الأبوة على الأبناء أن يستغفروا لهم لعل الله يغفر، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يبين لنا أن رعاية حدود الله وحقوقه أولى من قرابة الدم، وأولى من عاطفة الحنو والرحمة فالحق سبحانه وتعالى أولى بأن يكون الإنسان بارا به من أن يكون بارا بالأب الكافر، وقد جعل الحق سبحانه النسب في الإسلام نفسه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ما كان للنبي والذين... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٢٦