فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم
[التوبة: 111]. فالنتيجة لهذه المسألة كلها من شراء الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، ثم وعده الحق المبين في التوراة والإنجيل والقرآن، وكلها شهادات مسجلة هي الاستبشار بما باعه المؤمن لله.
فالإنسان - ولله المثل الأعلى - لا يسجل إلا ما يكون في صالح قضيته، ولا يسجل للخصم، فعندما يكون عندك صك على فلان، فأنت الذي تحتفظ به وتحرص عليه لأنه يؤيد حقك. والحق سبحانه يقول:
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9]. والقرآن هو الحجة الكاملة الشاملة في كل أمور الدنيا والآخرة، ومن فرط صدق القرآن أن البشر قد يصلون إلى قضية كونية ما، ومن بعد ذلك تخالف، وحين تعود إلى القرآن تجد أن كلام القرآن هو الذي صدق، وقد حفظ الحق سبحانه القرآن لأن قضايا الكون الذي خلقه الله لا يمكن أن تخرج عن قضايا القرآن لأن منزل القرآن وخالق الكون واحد، فلا شيء يصادمه. ﴿ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ﴾ قوله الحق: ﴿ فاستبشروا ﴾ مأخوذ من " البشرة " ، وهي الجلد عامة، وإن كان الظاهر منه هو الوجه. وحين يقول الحق سبحانه: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ﴾ فقد يفهم أحد أن النفس سوف تضيع، وأن الأموال سوف تنفق، وهذا قد يقبض النفس فهذا فيه الموت، وخسارة للمال، وكان من الطبيعي أن يشحب وجه الإنسان ويفزع ويخاف. ولكن ساعة يقول الحق سبحانه: ﴿ إن الله اشترى ﴾ تجد بشرة المؤمن تطفح بالسرور. والبشر، ويحدث له تهلل وإشراق، مع أنه هنا سيأخذ نفسه، ولكن المؤمن يعرف أنه سبحانه سيأخذ نفسه ليعطيه الحياة الخالدة. إذن: قضايا الإيمان كلها هكذا لا يجب أن تصيبنا بالخوف، بل علينا أن نستقبلها بالاستبشار، ولذلك يقول الحق: ﴿ فاستبشروا ﴾ أي: فليظهر أثر ذلك على بشرتكم إشراقا وسرورا وانبساطا. ﴿ فاستبشروا ببيعكم ﴾ وهل يستبشر الإنسان بالبيع؟ نعم لأن الإنسان لا يبيع إلا ما يستغني عنه عادة، ويشتري ما يحتاج إليه، فهنا الاستبشار بالبيع وليس بالشراء، فالمؤمن هنا يبيع فانيا بباق. ﴿ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ﴾ وأنت إذا ما نظرت إلى الذين يخالفون العهد الذي أخذ عليهم، تجد الواحد منهم يحتاج للمخالفة لأن وفاءه يتعبه. لكن الحق سبحانه ليس في حاجة لأحد وهو غني عن الجميع، ولا يوجد أدنى مبرر لخلف الوعد أبدا. وتأتي ﴿ وذلك ﴾ إشارة إلى الصفقة التي انعقدت بينكم وبين ربكم. ﴿ وذلك هو الفوز العظيم ﴾ والفوز هو بلوغ الغاية المأمولة في عرف العقل الواعي، كما تقول لابنك: " ذاكر لتفوز بالنجاح " وتقول للتاجر: " اجتهد في عملك بإخلاص لتفوز بالربح ". إذن: فهناك " فوز " ، وهناك " فوز عظيم " والفوز في الدنيا أن يتمتع الإنسان بالصحة والمال وراحة البال. وهناك فوز أعظم من هذا أن تضمن أن النعمة التي تفوز بها لا تفارقك ولا أنت تفارقها، فيكون هذا هو الفوز الذي لا فوز أعظم منه. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ التائبون العابدون... ﴾.