تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا قبل الله التوبة، يقال: " تاب الله على فلان " ، فلله إذن أكثر من توبة، ولذلك حين تقرأ قوله الحق:

ثم تاب عليهم ليتوبوا...

[التوبة: 118]. أي: شرع لهم التوبة ليتوبوا، فإذا تابوا فسبحانه قابل التوب. إذن: فالتوبة ثلاث مراحل: تشريع للتوبة، ثم توبة واقعة، فقبول للتوبة. والتوبة رجوع عن شيء، وهي بالنسبة للعبد رجوع عن ذنب، وبالنسبة لله إن كان الذنب يستحق أن يعاقب الله به، فإذا تبت أنت، فالحق يعفو ويرجع عن العقوبة. وينهي الحق الآية: ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ لأن المغفرة بالنسبة للعبد صعبة، فإن سرق واحد منك شيئا فهو يضرك، ويلح عليك حب الانتقام منه لأن الضرر أتعبك، لكن أيتعب أحد ربه بالمعصية؟ لا لأنك إن كنت قد أضررت بأحد فإنما أضررت بنفسك، ولم تضر الله سبحانه لأنه سبحانه لا يلحقه ضرر بذنبك، وإنما الذنب لحقك أنت. فحين يقول سبحانه: ﴿ غفور ﴾ فهو غفور لك، و ﴿ رحيم ﴾ بك. والمصائب أو الكوارث نوعان نوع للإنسان فيه غريم، ونوع يصيب الإنسان ولا غريم له. فإن مرض إنسان فليس له غريم في المرض، أما إذا سرق إنسان فاللص هو غريمه، ومصيبة الإنسان التي فيها غريم تدفع النفس إلى الانفعال برد العقوبة إليه، أما حين تكون المصيبة من غير غريم فهي تحتسب عند الله، ويقال: إن المصيبة التي ليس فيها غريم هي التي تحتاج لشدة إيمان، والحق يقول:

ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور

[الشورى: 43]. هنا يؤكدها لأن غريمه يلح عليه، فساعة يراه يتذكر ما فعله غريمه به، فتكون هناك إهاجة على الشر. أما قوله سبحانه:

واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور

[لقمان: 17]. فلم يؤكدها، فالمصيبة هنا من سيكون غريمه فيها؟ والذين اعترفوا بذنوبهم هم قوم تخلفوا بغير عذر، ثم جاءوا وقالوا: ليس لنا عذر، ولم يختلقوا أعذارا لأننا نعلم أن هناك أناسا لم يعتذروا، وأناسا آخرين اعتذروا بأعذار صادقة، وآخرين اعتذروا باعتذارات كاذبة، وهم قد ﴿ اعترفوا بذنوبهم ﴾ أي: أعلنوا أن اعتذاراتهم عن الغزوة لم تكن حقيقية وأنه لم يكن عندهم ما يبرر تخلفهم عن الغزو فهؤلاء تاب الله عليهم في نفوسهم أولا، ورسول الله لا يزال في الغزوة في تبوك التي تخلفوا عنها. ثم

" عاد الرسول من الغزوة، ودخل المسجد كعادته حين يرجع إلى المدينة، وأول عمل كان يعمله بعد العودة هو أن يدخل المسجد، ويصلي فيه ركعتين. فوجد أناسا قد ربطوا أنفسهم بسواري المسجد وهي الأعمدة فسأل عن هؤلاء، فقالوا: هؤلاء قوم تخلفوا وكانت أعذارهم كاذبة لكنهم اعترفوا بذنوبهم، وقد عاهدوا الله ألا يحلوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تحلهم وترضى عنهم فقال صلى الله عليه وسلم: " وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أؤمر بإطلاقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين "

فلما أنزل الله هذه الآية حلهم رسول الله ومنهم: أبو لبابة. ولذلك من يذهب ليزور المدينة إن شاء الله، سيجد أسطوانة اسمها " أسطوانة أبي لبابة " وهو أول من ربط نفسه على الساري، وقلده الآخرون. وهذا يدلك على أن المؤمن حين تختمر في نفسه قضايا الإيمان فهو لا ينتظر أن يعاقب من الله، بل يبادر هو إلى أن يعاقب نفسه. ومثال ذلك: المرأة التي زنت، والرجل الذي زنا، واعترفا لرسول الله ليرجمهما، ومعنى ذلك أنهما لم ينتظرا حتى يعذبهما الله، بل ذهب كل منهما بنفسه. ولذلك حين جاء سيدنا عمر، وكاد أن يركل جثة أحدهما قال الرسول: " دعها يا عمر فقد تابت توبة لو وزعت على أهل الأرض لوسعتهم ". وكون أبي لبابة يربط نفسه بالسارية، فهذا يدل على أن المؤمن إذا اختمرت في نفسه قضية الإيمان، فإنه لا يترك نفسه إلى أن يلقاه الله بعذابه، بل يقول: لا، أنا أعذب نفسي كي أنجو من عذاب الله، فهو قد تيقن أن هناك عذابا في الآخرة أقسى من هذا العذاب. فلما اعترفوا بذنوبهم وراجعوا أنفسهم متسائلين: ما الذي شغلنا عن الغزو، وجعلنا نعتذر بالكذب؟ وجدوا أنهم في أثناء غزوة تبوك وقد كانت في الحر، وفيه كانت تطيب جلسات العرب تحت الظلال وأن يأكلوا من التمر. فقالوا: والله، إن المال هو الذي شغلنا عن الغزو وجعلنا نرتكب هذا الذنب، ولا بد أن نتصدق به لذلك قلنا: إن هذه لم تكن الصدقة الواجبة، بل هي صدقة الكفارة. وهؤلاء قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: خذ هذا المال الذي شغلنا عن الجهاد، فلم يقبل حتى ينزل قول من الله، فأنزل الحق قوله: ﴿ خذ من أموالهم صدقة... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٠٦