تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم

[الذاريات: 15-19]. لقد ذكر سبحانه هنا الحق ولم يقل إنه معلوم لأن صاحب المال داخل في مقام الإحسان، وهو المقام الذي يلزم الإنسان فيه نفسه بشيء فوق ما فرض الله من جنس ما فرض الله. والله سبحانه لم يفرض على الإنسان أن يقوم الليل كله، أو يظل الليل يستغفر، بل إن المسلم له أن يصلي العشاء وينام، ثم يقوم لصلاة الفجر. لكن إن وجد في نفسه نشاطا، فهو يقوم الليل لأنه يريد أن يدخل في مرتبة الإحسان. وكذلك يؤدي المسلم الزكاة وهذا حق معلوم، أما إن رغب المسلم في أن يدخل في مقام الإحسان فهو يزيد على الزكاة، وقد جعل الله هذا حقا لكنه غير معلوم ليفسح لأريحيات الكرام أن يتجاوزوا الحق المعلوم، فبدلا من اثنين ونصف بالمائة، قد يجعلها الداخل إلى مقام الإحسان ضعف ذلك أو أكثر. ووقف العلماء رضي الله عنهم هنا قالوا: إن قوله الحق: ﴿ خذ من أموالهم ﴾ لا يعني اعتبار الجزء المأخوذ من المال للفقير هو حق الفقير، بل هو مال المؤدي، ولو بين الله حق الفقير وعزله عن مال صاحبه، فهذا يعني أن المال إن هلك فليس للفقير شيء، ولكن لأن المال مال الغني فحق الفقير محفوظ في ذمة صاحب المال، وهذا أفضل للفقير، فإن الغني لو لم يؤد الزكاة في ساعتها، وبعد ذلك حدث أن هلك المال، فالغني ضامن لحق الفقير.

﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ﴾ والصدقة تطهرهم لأن الذنب الذي فعلوه واعترفوا به تسبب في تقذير أنفسهم بالمعصية، وما داموا قد قذروا أنفسهم بالمعصية، فهم في حاجة أن يطهروا بالمال الذي كان سببا في عدم ذهابهم إلى الغزوة. وانظر هنا إلى ملحظ " الأداء البياني " في القرآن، فالحق سبحانه يقول: ﴿ خذ ﴾ وهو أمر للنبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: ﴿ من أموالهم صدقة ﴾ من أموال الأغنياء، هذه الصدقة ستذهب للمحتاج، إذن هنا أربعة عناصر: آخذ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومأخوذ منه هو صاحب المال، ومأخوذ هو المال، ومأخوذ له هو الفقير المحتاج. وما دام الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الأمر ينسحب بالتالي على كل من ولي أمرا من أمور المسلمين. ولقائل أن يقول: ولكنها صدقة وليست زكاة. ونقول: ما دام الله هو الذي أمر بها تطهيرا فقد صارت واجبا، والآية صريحة، وتقتضي أنه ما دامت هناك ولاية شرعية، فولي الأمر هو الذي يأخذ من الناس ويؤدي للفقراء، أو لأوجه الصرف التي شرعها الله لأن الله لا يريد أن يعذب الفقير بأن يمد يده آخذا من مساو له، أما إن أخذ من الوالي وهو المسئول عن الفقراء، فلن يكون عيبا، كما أن الحق سبحانه يريد أن يحمي أهل الفقير من أن يعلموا أن البيت الفلاني يعطي لهم زكاة، فيعاني أولاد الآخذ من المذلة أمام أولاد المعطي، ويعيش أبناء المعطي في تعال لا لزوم له. إذن: فحين يكون الوالي هو الذي يعطي فلن يكون هناك مستعل أو مستعلى عليه. أما إن لم تكن هناك ولاية إسلامية، ولا يعلم الإنسان إلى أين ستذهب الأموال، فهنا يصبح كل إنسان أن يراعي محيط دينه وهو يخرج الزكاة وحينئذ يكون عندنا معط هو صاحب المال، ومال معطى، ومعطى له هو الفقير. وعلى من يعود قوله الحق: ﴿ تطهرهم وتزكيهم ﴾؟ السطحيون في الفهم يقولون: إنها تطهر من نأخذ منه المال، وتزكى المال الذي نأخذ منه. لكن من يملك عمقا في الفهم يقول: ما دامت هناك في هذه الآية عناصر، فضروري أن يعود التطهير والتزكية عليها، وإنها تطهر وتزكي المأخوذ منه صاحب المال، وكذلك تطهر وتزكي المال المأخوذ، وأيضا تطهر وتزكي المأخوذ له وهو الفقير، لأن التطهير معناه إزالة قذر، والتزكية نماء. القذارة أمر عارض على الشيء الذي نغسله ونطهره، وتنمية له بشيء عائد عليه فيزداد، وهكذا تطهر الصدقة وتزكى عناصر الفعل كلها. والتطهير لمن يعطى، له معنى معه، والزكاة لها معنى معه لأنك إن أخذت منه المال، فقد يكون قد غفل وأدخل في ماله شيئا فيه شبهة، فالصدقة والزكاة تطهران هذا المال.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٠٨