" إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ".
لأن أهل بدر دخلوا المعركة بدون عدة، وبدون استعداد، ومع ذلك هانت نفوسهم عليهم، فكأن الله قال: أنتم عملتم ما عليكم، وقد غفرت لكم كل ما تفعلونه من السيئات.
إذن: فالسابقون من المهاجرين هم أهل بدر وأهل الحديبية، وهم أهل بيعة الرضوان الذين ردوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة، ثم عقد النبي صلى الله عليه وسلم مع القرشيين المعاهدة. والسابقون من الأنصار هم من جاءوا للنبي في مكة، وأعطوا له العزوة وأعطوا له الأمان والعهد، وكانوا اثني عشر في بيعة العقبة الأولى، وخمسة وسبعين في العقبة الثانية. هؤلاء هم السابقون، وأضاف الحق إليهم ﴿ والذين اتبعوهم بإحسان ﴾ أي: من يأتي من بعدهم. وسيدنا عمر له وقفة في هذه الآية، فقد رضي الله عنه يقرأها هكذا: " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار " أي: يعطف كلمة الأنصار على " السابقون " وكانت قد نزلت: ﴿ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ﴾ ويكمل سيدنا عمر بعد " والأنصار " " الذين اتبعوهم بإحسان " أي: أنه جعل " الذين اتبعوهم " صفة للأنصار. وجاء زيد بن ثابت ليقول لسيدنا عمر: " قرأناها على غير هذا الوجه يا ابن الخطاب ". قال: فماذا؟ قال: ﴿ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ﴾. فقال عمر: ابعث إلى أبي بن كعب، وكان ابن كعب حجة في القرآن فقال أبي: هكذا سمعتها - كا قال زيد - من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تبيع القرظ في البقيع. أي أن أبي بن كعب كان ملازما للنبي صلى الله عليه وسلم بينما عمر يبيع القرظ، فضحك عمر وقال: لو قلت شهدت أنت وغبنا نحن، وقرأها عمر من بعد ذلك كما نزلت. ﴿ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ﴾ خصوصا أن سيدنا أبيا البصير بالقرآن جاء بأكثر من دليل من غير هذه الآية فقد قال الحق:
وآخرين منهم لما يلحقوا بهم...
[الجمعة: 3]. وقوله الحق في سورة الحشر:
والذين جآءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان...
[الحشر: 10]. وهي معطوفة أيضا. وهنا في الآية التي نحن بصددها يقول الحق: ﴿ رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم ﴾ [التوبة: 100]. وفي هذا القول ما يطمئن أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يأت لنا فقط بخبر الفئة السيئة من المنافقين من العرب، والمنافقين من الأعراب، ولكنه أوضح لنا أن هناك أناسا وصلوا لنا جمال هذا الإيمان. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وممن حولكم من الأعراب... ﴾.