تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول...

[محمد: 30]. ولكن هناك لون من النفاق، نفاق فني دقيق، يغيب على فطنة المتفطن، وعلى كياسته. ولذلك يوضح لنا سبحانه: أنا لا أكلكم إلى فطنتكم لتعلموا المنافقين، وإنما أنا أعلمه وأنتم لا تعلمونه لأنهم قد برعوا في النفاق ﴿ لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ ورغم فطنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكياسته فقد أوضح له الحق أنه سيغيب عنه أمرهم لأنهم احتاطوا بفنية النفاق فيهم حتى لا يظهر. لقد عبر القرآن التعبير الدقيق، فقال: ﴿ مردوا على النفاق ﴾ والمادة نفسها في كلمة ﴿ مردوا ﴾ هي من مرد، يمرد، مرودا، وماردا، ومريدا، هذه المادة تصف الشيء الناعم الأملس الذي لا تظهر فيه نتوءات، ومنه الشاب الأمرد، يعني الذي لم ينبت له شعر يخترق بشرته، إذن: المادة كلها تدل على الثبات على شيء، وعدم وجود شيء فيه يخدش هذا الثبات. ويوضح سبحانه: تنبهوا، فممن حولكم من الأعراب منافقون، وقوله الحق: ﴿ وممن حولكم ﴾ يشعر بأنهم محاطون بالنفاق، ولماذا يحاطون بالنفاق؟ لأن الدعوات الإيمانية لا تظهر إلا إذا طم الفساد في بيئة. ونعلم أن الحق قد جعل في النفس أشياء تطرد الباطل، وإن ألح الباطل عليها فترة، تتنبه النفس إليه وتطرده. وهؤلاء هم الذين يتوبون، يقترفون الذنب ثم ترجع إليهم نفوسهم الإيمانية فتردعهم. إذن: فالردع إما أن يكون ذاتيا في النفس، وإما أن يكون من المجتمع للنفس التي لا يأتيها الردع من الذات، فهي نفس أمارة بالسوء، وهي لا تأمر بالسوء مرة وتنتهي، بل هي أمارة به، أي: اتخذت الأمر بالسوء حرفة لأن صيغة " فعال " تدلنا على المزاولة والمداومة. وإذا كانت المناعة في النفس فهذا أمر يسير ويأتي من النفس اللوامة، وقد يكون المجتمع الذي حول الإنسان هو الذي يردع النفس إن ضعفت في شيء. وبهذا تكون المناعة في المجتمع، أما إذا طم الفساد أيضا في المجتمع فلا النفس تملك رادعا ذاتيا، ولا المجتمع فيه رادع هنا لا بد أن تتدخل السماء، وتأتي دعوة الحق بآياتها، وبيناتها، ومعجزة الرسول. هنا يقف أصحاب الفساد - وتكون نفوسهم أمارة بالسوء - موقفا ينافقون به القوة الطارئة الجديدة، بينما تظل نفوسهم أمارة بالسوء، فتظهر ظاهرة النفاق. وقوله الحق: ﴿ وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة ﴾ أي أنكم مطوقون في ذاتكم ومن حولكم، فالنفاق في ذات المكان الذي تقيمون فيه، وفيما حولكم أيضا. وأخشى ما يخشاه الإنسان، أن يوجد الأمر الضار حوله وفيه لأنه إن كان الأمر الضار في المكان الذي يعيش فيه، فمن حوله يستطيعون إنقاذه أو يستطيع هو أن يهجر المكان، لكن إن كان محاصرا بالضرر ممن حوله ومن المكان الذي يحيا فيه، فإلى أين يذهب؟ ويريد سبحانه أن ينبه المؤمنين إلى أن ظاهرة النفاق متفشية منها ما تستطيعون - أيها المؤمنون - معرفته بمعرفة حركات المنافقين وسكناتهم ولحن قولهم وتصرفاتهم، ومنها أمر دقيق خفي لا تعلمونه، ولكنه سبحانه يعلمه ولأنكم غير مسلمين لأنفسكم، ولكم رب يعلمكم ما لا تعلمون فاطمئنوا فسوف يفضحهم لكم.

ونتيجة هذا العلم أنكم سترون فيهم العقوبات فيأتي فيهم القول الحق: ﴿ سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾. هم إذن سيعذبون مرتين في الدنيا، ثم يردون لعذاب الآخرة، وأول عذاب لمن يستر نفاقه أن يفضح نفاقه ولذلك خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

" قم يا فلان فأنت منافق، قم يا فلان فأنت منافق، قم يا فلان فأنت منافق ".

أو تأتي له مصائب الدنيا. ولقائل أن يقول: وهل المصائب عذاب للمنافق، إن المصائب قد تصيب المؤمن أيضا؟ ونرد: إن المصائب تأتي للمؤمن لإفادته، ولكنها تأتي للمنافق لإبادته. فالمؤمن حين يصاب إما أن يكفر الله به عنه ذنبا وإما أن يرفعه درجة به لكن المصائب حين تصيب المنافق فهي مغرم فقط لأن المنافق لا يرجو الآخرة ولذلك يقال: إن المصاب ليس من أصيب فيما يحب، ولكن المصاب هو من حرم الثواب. فإن استقبل المؤمن المصيبة بالرضا، وعلم أن الذي أجراها عليه حكيم، ولا يجري عليه إلا ما يعلم الخير وإن لم يعلمه فهو ينال الثواب على الصبر والأجر على الرضا، وهكذا يخرج من دائرة الألم العنيف. أما غير المؤمن فهو يتمرد على القدر، وبعدم إيمانه يحرم من الثواب. أو أن العذاب مرتين، غير الفضيحة بنفاقهم، فيتمثل في محاولتهم أن يظهروا بمظهر الإيمان والإسلام، فيخرج الواحد منهم الزكاة من ماله، والمال محبب للنفس لذلك فهو يخرج الزكاة مرغما ويشعر أنه قد خسر المال لأنه لا يؤمن بإله لذلك فمصيبته كبيرة. وقد يرسل المنافق ابنه للحرب وهو يعلم أنه ليس له في ذلك ثواب، وهذا لون آخر من العذاب. وهذا العذاب متحقق بقول الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٠٣